
لا بدّ أني ورثتها عنه خصلة المبادرة ككل الخصال والسجايا الكريمة التي ما بخل بها علي، أمّا ما تكاثف بي من قبيح الطباع فهو ابتكار شخصي واجتهاد فرديّ أفرزته كل تلك السنون بمصائبها ومراراتها، لكنّ المبادرةَ والمروءة والوقوف على حاجات الناس دون أن يطلبوا؛ فضل كبيرٌ وخلق سَمْحٌ لا أدّعيه بل أعزوه إليه، وأنسبه إلى الرابطة الأثيرة بين الأب والابن، والشَبَهِ الخفيف المدوّن في كتاب المصائر، وقد قال أبو فراس مرةً في ممدوحه:”وزندي وهو زندُك، ليس يكبو-وناري، وهي نارُكَ ليس تخبو/وفضلي تعجزُ الفضلاءُ عنه-لأنكَ أصلُهُ والمجدُ تِرْبُ” لكنِ الناسُ ليسوا هم الناس، وأنا وأعوذ بالله من أنا؛ كما كُنت، لا أتعلّم أبدا في مرتي الأولى ولا الأخيرة، ما زلتُ أتذكر ذاك الشيخ كبير السن واقفا ويكادُ يسقطُ من ثقل ما في يده اليمنى من أكياس، عند الفرن الملتهب ينتظر، قلتُ:”عمّي خل أساعدك” فلحظني بنظرةٍ كالسهم، وكاد أن يلطمني على وجهي بخبز التميس المستدير إلى مالا نهاية، نافثا من صدره شعلة من لظى، ثم قال:”أحد طلبك شيء؟” قلتُ:”قوّاك الله وأنا آسف” ثم انزويتُ على نفسي وعلى وجهي ارتسمت ابتسامةٌ بلهاء. وعدتُ إلى سيارتي بقطعتين من الخبز في يدي ودرسٍ حياتيّ رهيب، ثم مضت الأيام، وما تعلّمتُ شيئا حينَ في المقهى وقفتْ فوق رأسي كرقيبٍ أو خيالٍ ما سيدةٌ ظلّت في انتظار دورة المياه المشغولة -كرّم الله القارئ- خلفي لمدة تزيد عن ربع ساعة، فتجرأتُ ونطقتُ بعد لأيٍ واجتهاد:”يا أختي، لازم تطلبين المفتاح من المحاسب لأن الحمام مقفل” ثم عدتُ لأشغالي ليفاجئني بعد دقائق اثنان من إخوتها بعيونٍ محمرّةٍ وأوداجٍ منتفخةٍ وصدور تكادُ تنفجرُ ونيّةٍ مصمّمةٍ على الإيذاء، لعلّهم رأوني حين وجّهتُ لها تلك الكلمات، أخرس الله لسانك يا ولد قلتُ في نفسي، ثم جلستُ لخمس دقائق أشرح لهم الموقف، وقوانين المقهى وما قلتُ وما لم أقل، ثم مضوا في شأنهم، ثم إنّي مررتُ بغير ذاك من المواقف المحرجةِ نفسها، حتّى أوقفتُ نفسي عند حدّها، وحلفتُ غير حانثٍ أني سأعتمدُ ردّة الفعل، وأترك الفِعل والمبادرة والسؤال والمراعاة لأصحابها، وكم آلمني منذ ذاك الحين منظر الرجل يحمل أكياسا في يديه فلا أفتح له الباب، وارتطام الطفل بزجاج المحلّ النظيف دون أن أنبّهه، ومشهد الشيخ يركض ليلحق بالمحل المفتوح وأنا القافل منه وأدري أنه مُغلقٌ فلا أنبس بكلمة، درّبتُ نفسي تماما على الانشغال بنفسها، وغرقت في مشاكلي، أما الإلماحات الصغيرة، وتفاصيل المراعاة والإحسان البسيطة فقد تركتُ المبادرةَ فيها، إلّا أن تُطلب، لكنّي كلما لمعت في خاطري فكرةٌ مُراعية، أو اشتهت نفسي فعلا حَسَنا ومنعتُ نفسي عنه خوفا من تبعاته؛ تذكرتُ ذلك الوجه البشوش، الرجل الذي ما منعه شيءٌ من أن يعطي ويحسن ويخلص؛ حتّى بعد أن نكبته الحياة نكباتٍ لا تُحصى ولا تُعدّ، ولا أظنّه قد فكّر بما فكّرتُ به ووصلتُ إليه، لأنه الأصل، وأنا مجرد امتداد فرعي يعترضه ما يعترضه من طوارئ وهواجس وأسباب، فاستعضتُ عن قيامي بالفعل، بدعوتي له بالعافية، والخير، والبشرى، والفرج، والتيسير.