صورةٌ لأبـي

لا أحب الصور الشخصية؛ لا صوري، ولا صور من أعرفهم، ولعلّي أحب أن أحتفظ لهم بأعذب صورهم في بالي، وأُحسِنَ لهم في الغيب من حيث لا يدرون، أو ربما لأني أخاف من الوقوف المفاجئ أمام الصور ومواجهة أصحابها في الداخل، ومِن التفطّن لما يعنونه لي، وما أكنّه لهم؛ تعوّدتُ الهرب من نفسي؛ لا مراقبتها وهي تتكشّف وتهذي. وهكذا كلما بعث أخ لي صورةً لإحدى بناته قبّلتها طويلا طويلا، ثم سارعت لحذفها، وتعذّرتُ لنفسي بضيق ذاكرة الهاتف؛ على أنه لم يعد عذرا مقبولا هذه الأيام، وكلما خطرتُ على بال عمّي النائي في عزلته الأبدية وأرسل لي صورةً من أرشيفه لبلادي البعيدة وأعمامي ورحلاتهم أيام الصِّبا؛ عرفتُ أنه اشتاق لي، أو على الأقل إلى صوتي الذي يجد فيه -بطريقته- نغمةَ أصوات إخواني كلهم، فأرسل له تسجيلا مطوّلا مطمْئنا ومبشّرا بأنْ ستجمعنا الدنيا رغم الظروف وأنّه مهما اختلفت الدروب فسنلتقي في نهايةٍ ما سعيدة نسبيا -على الأقل- ولستُ أدري من يوحي لي بذاك الكلام في كل مرة؛ صوتا يهوّن به على نفسه اختياراته الصعبة في الحياة وغير الملزمة، ثمّ تعرف أصابعي طريقها إلى ملفات الصور فلا تبقي على شيء، اليوم وأنا أفتّش عن صورةٍ لملفٍ ما أحتاجه للعمل، وقد أضعته في ركام الصور، وجدتُ صورةً لرجلٍ ما، على وجهه ابتسامةٌ كاملة، وعلى ملامحه من الرِّضا ما لا يوصَفُ، سلّمتُ عليه على بعد المكان وطول المسافة و”سعي الدهر” بيننا، وقبّلتُ جبينه، ونسيتُ عن أي صورة كنت أبحثُ طوال النهار، أو لعلّي وجدتها وما انتبهتُ.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ