
في صمتِ المدن المفاجئ قُرىً تنام، خيام شيّدها أهلها منذ الأزل ولا يزالون هناك في العراء يلتحفون ليل صحرائها ويسمرون على حسيس نارها، ويسرحون في ضوء نجومها المسافر، ويغرقون في سكونٍ ناعمٍ لا تقطعه سوى رنّة الفناجيل وصدى التراحيب، ما تزال خطواتهم على الرمال تصدر حفيفا لا تسمعه إلا في تجلّي لحظةٍ مهيبةٍ في هدوئها، وما يزال انغماسهم في أفق السراب الممتد رحلةٌ مستعذبةٌ يفيئون منها عند المغيب، قبل أن يلقي الليل بظلّه ويسفح حبرَهُ السيّال على بياض النهار، وفي صمت المدن المفاجئ جَلَالُ لحظةٍ تنفكّ عن الزمن بمقدار، قبل أن تعود إلى الالتصاق به من جديد، قد لا تكفي لردم هوّةٍ في القلب، ولا لتستلّ قدما مشغولةً بركضها الجنونيّ واختياراتها العشوائية، ولا أن تنبّه عقلا غارقا في احتمالات ممكناته وتصاوير مجهولاته، لكنها قد تكفي لعبور زفرةٍ تبدّد في تلاشيها البطيء كل ما راكمه الفؤاد ولم تطاوعه الكلمات، وكل ما جال في الخاطر فاستحتْ أن تنطقهُ الشفاهُ المرتعشة وأن تقوله العيون الحيرى