
لأبي فراس بيتٌ:”عفافكَ غَيٌّ، إنّما عفةُ الفتى-إذا عفَّ عن لذاتهِ وهو قادِرُ” يصلح أن يكون مدخلا لباب العفّة في الشعر، ومطلعا تنتظم تحته كل تلك الوقفات الزاهدة لا عن عجز ولكن عن طهارة روح وزكاة نفس، وكنت حين قرأتُ لأبي الطّيب ذاك المطلع البرّاق الزاهي:”عواذلُ ذاتِ الخالِ فيَّ حواسدُ-وإنَّ ضجيعَ الخودِ منّي لماجدُ” ثم يُفصّل:”يردُّ يدا عن ثوبها وهو قادرٌ-ويعصي الهوى في طيفها وهو راقدُ” ويستكمل في بيتين أشهى من خيالات الغافين بالكاد؛ كنتُ أظنّ أنه قد ترك بصمته في هذا الباب، ولمسَ ذروته وسقفه، إلّا أن أبا الطّيب الذي يظهر عادة من الشقوق وينتظرك وراء كل باب ومعنى سامٍ رفيع، وكأنه كعادته يضمّن نفسه في كل شعره؛ ألم يقل مادحا:”علّامة العلماء، والبحرُ الذي-لا ينتهي، ولكلّ لُجٍّ ساحلُ” يأبى أن يكتفي من معنى شريف كهذا، دون أن يَسِمُهُ بما لا يُنسى، ويترك فيه كتابةً تتعتّقُ وتعبقُ كلما مرّ بها أحد واستثارها متأملا، وجدتُهُ هناك في قصيدته (لعينيك ما يلقى الفؤادُ وما لقي) وهو يغنّي بشيء من السحر الخالص:”وأشنب معسول الثنيّات واضحٍ-سترتُ فمي عنه، فقبّل مفرقي/وأجيادِ غزلانٍ كجيدك زُرنني-فلم أتبيّن عاطلا من مطوّقِ/وما كلّ من يهوى يعِفُّ إذا خلا-عفافي، ويرضي الحِبّ والخيلُ تلتقي” [فلم أتبيّن عاطلا من مطوّقِ] يا لها من عبارة واصفةٍ صامتةٍ تكادُ تنطقُ، وتسيل!