من هذه الدنيا ٢

ابتساماتُ الغرباء والعابرين دَينٌ في عنقه إلى يوم الدين، لكنَّ شريانه النازف لأجل أن يؤمّن فرحةً مُترفة لن يفتقدها أحد ولن يسأل أحد عن موعدها لا يعدّه شيئا، ولا يقف حتّى لثوانٍ أمام براكين الأسئلة ومشارف المجهول والغامض، هو المشغول دوما بما ينقص اللحظةَ وما يُمكن -لخللٍ ما طارئ- أن يُنقصها، ما فتأ يحفر بيديه ويفتش بهاجسه القلِق عن أسباب تأخذه من لحظات الاطمئنان إلى صحراء الاضطراب والحيرة، هو اليقِظُ الشارِدُ، العابر إلى الضفاف المستحيلة لأن صوتا ما دعاه، فلبّاه قبل أن يعرف من هو، وما يطلبُ، كم تزيّنت له الدُنيا فعفّ عنها وزهد بها، وما أغوته مساراتها المبشّرة وضوء مباهجها البعيد القريب، هو الغارق في محيط سكونه، القصيّ الذي تحجبه غلالات الترفّع والاستغناء، والداني الذي يعطي روحه من قبل أن يستلزم الأمر، هو الغريبُ حتما، ما سأمت خطواته تضاعف معاني اغترابه، وما ملّت محطّاته الكثيرة تجديدَ دلالاتِ تيهه، وما تزال الأقدار ترسم له مسارا دائريا لا تُعرف له بداية ولا تُنتظر نهايته، هو الاسم المألوف سُرعان ما تتمثّل صورته في خيال السامعين الذي لن يفهموه ولن يجتهد في فهمهم هو، المسافر من الأزل؛ ما أقنعتهُ ضروراتُ الوجهات، ولا خَطَر في قلبه أن يختار محطةَ الوصول، ولا أن يعدّ نفسه لما ينتظرها من عذاباتٍ تتوعّد ومُنىً تستعصي وتنأى، من هَذه الدنيا، من خيالاتها الأولى ربما، ومن أساطيرها الذين تتتبّع أثرهم في ثنايا الأحداث والمواقف والذكريات القصية؛ فلا تجزم بوجودهم ولا تنفي آثار عبورهم في صحراء القصص وخطواتهم المندثرة بالكاد في رمل الحكايا

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ