ظعنتَ لتستفيد أخا وفيا

الألف القائمة في ظ “ظَعَن” هي الشراع الممتد في الأفق البعيد، وهي ارتكاز الهوادج وانتصابها فوق ظهور الإبل وهي تغيب على مهلٍ وتختفي في السراب، وهي العلامة المعترضة والسؤال القائم في وجوه الراحلين نحو كل مكانٍ غيرِ هذا؛ ما الذي بظنّهم ينتظرهم هناك؟ وأي احتمالاتٍ تتفتّحُ لهم في المجهول وتهمس لهم من مكانٍ خفيّ أنْ تعالوا؟ وأي نصيبٍ يستحقُّ أن تُدفع لأجله كل هذه الخطى وتجترئ لأجله القلوب على الأهوال والمخاطر المخبّأة في ثنايا الدروب؟ تُرى هل وجدوا ما كانوا يبحثون عنه؟ وهل كان يستحق كل هذا؟ وماذا بعد ذلك؟ كم كان المعرّي رؤوفا لطيفا حنونا في رسالته الشعريّة إلى خاله وكم عطّرها بالسلامات والأماني والمدائح وكم ضمّخها بطيبِ الكلام وعطرِ المغالاة، وملأها برجاوات المساكين واستجداءات المحبّين، “وقيلَ أفادَ بالأسفارِ مالاً” وماذا تقول أنت يا أبا العلاء؟ “وقلنا: هل أفادَ بها فؤادا؟” في ساعة الضيق تُعيد ترتيب الأولويات؟ وأيُّ انتباهةٍ عطوفة تلك حين ينشغل الناس بالمظاهر والمقاصد الدُنيا! كم كان متواضعا حتى فشتْ لُغتُهُ بما يقول؛ في بيت القصيد؛ انُظر كيف يغضّ الطرف عن حزن نفسِهِ للمرة اللانهائية في القصيدة ويُفضّل أن يُقدّمَ ضمير خاله ليكون مفتاح البيت “ظَعَنْتَ” (ظَعَنْتَ لتستفيدَ أخاً وفياً) تقديرا وملاحظةً وانتباها لرحلته ومشواره الذي لم يرِد أن يستسهله في خاطر خاله قبل أن يكون في خاطره، وأيُّ اعتناءٍ دقيق! قبل أن يسكب عتابه الرقيق الناعم الساحر؛ ولا يفوته أن يضمّن في ثناياه لفتةً عطوفةً أخرى مشفقةً ورؤوفة ومشجية “وضيّعْتَ” (وضيّعتَ القديمَ المُستفادا)

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ