
على أطراف المدينة بعيدا عن بيتي نحوَ خمسين كيلو مترا أو تزيد بقليل، أمام إشارة مرور في شارعٍ على الأرجح أنّي لن أكون فيه مرة أخرى؛ لمحتُهُ عن يميني، وبيننا أمتار قليلة وسيل ذكريات جارفٍ، عرفته يقينا من علامةٍ ميّزته منذ سنين الدراسة الأولى على خده الأيسر، لم نعرف سببها؛ ولم يأخذنا الفضولُ رغم زخمه في ذاك الحين إلى التقصي وراءها وعنها، وقد صدّقنا بعد زمنٍ قصير؛ أنه وحتما لا يراها عندما يقف أمام المرآة ويتأمل وجهه، تذكرتُهُ وتذكرت مكانه في قلب الفصل، شماغه المستقر بالكاد؛ والطافي على رأسه كما أراه الآن في حيطان المخيلة المُبْصرة، تذكرته وتذكرت الأيام الخوالي والحكايات التي بدا وكأنها الساعةَ انبثقت من سراب هذه اللحظة الأليفة، وتذكرتُ من يقول أن (العالم قريةٌ صغيرة) واستغرقتُ زمنا وأنا أقلّب احتمالات دروبنا المتشعّبة وكيف قادتنا الصدفة أن نكون حيث نحن ها هنا، تذكرت شخصيته الغريبةَ وتَرحاب كلّ من عرفهُ وتقاطع معهُ لو لمرة؛ ووقفتُ كما وقفتُ يوم كنت طفلا أمام هذا السرّ الغامض، واستعجلتُ تأويلي البدهيّ وقلتُ؛ لا بد أنها ألفة الأرواح، تذكرتُ طويلا واسترجعت تلك الوجوه الشفيفة في بالي؛ وهي تزداد حيرة يوما بعد يوم عندما وصلها خبر انتقاله دون كلمةٍ أو تبرير ولا وداع، عندما أمعنتُ في الذكرى وبنيتُ من حولي جدرانا من الوهم؛ نبّهني من شرودي صخب العجالى وزمامير المسافرين إلى لا وجهة، وعندما التفتَ أخيرا لم يكن هو، ولكنّ الذكرياتِ كانت؛ بضجيجها المتعالي في فضاء الذاكرة، ومعانيها المفتتة في أعماق الروح، كانت، رغم أنها الآن وفي لحظةٍ عابرة صارتْ مجرّد هباءٍ مُهَال ومنثورٍ في الهواء؛ وشيئا ما يحاول التشبّث دون جدوى ولا أمل
وش كان حسابك تويتر؟
إعجابإعجاب
@ temporanju
إعجابإعجاب