
لا يزال في أروقة الحلم يتبع ذاك النداء الغريب بألفة والمألوف بغرابة ويتخبط في ضباب اللحظة الواهنة ما بين العدم والوجود، لا يزال بكل ما سمع ورأى وعرف يحاول أن يفكّ شفرةَ الألفةِ هذه، وأن يستوعب إحساسه المتأرجح وخطوته المرتجفة، أن يركّب ربما وجها على نغمة الصوت، وصوتا على ملامحَ ووجوه تتوارى في تجاويف الذاكرة، كلما اقترب شعر أنه ينأى، ومتى شعر أنه ابتعدَ دفعته يد من فضول، وأغواه قلب من لهفة، وجذبته نبرةٌ لم يجسر أبدا على تفسيرها، لعله كان موهوما أو محموما أو متعلّقا لعله بسببِ نجاةٍ أخير من أجله لم يعبأ بمراوغة المسافات وتداعيات الدروب، قد لا يأخذُهُ الإلحاح أبعد مما يتمنى، وقد لا تتعطّفُ الإشاراتُ وتستسلم لصدق النوايا، لكنه لم يعد يُبالي بها، ولم يعد يعوّل سوى على صوت نفْسِهِ وإيقاع نَفَسِهِ وسَكَتات الإصغاء لما يدور في غيبٍ بعيد، ها هو هناك كما يبدو لك وكما تراهُ؛ واقفا على ناصية الشارع كأنما على حافةٍ لا تُرى، محدقا ساهما أو شاردا في نقطةٍ عمياءَ في الأفق المفتوح، كأنهُ آخرُ الأحياء على هذه الأرض، وأنتْ، أنتَ ظِلُّهْ