
لم تحظ قصيدة عربية مطولة بقوالب لحنية وموسيقى وأسراب من العصافير وسيل من التغاريد بمثل ما حظتْ به النونيّة عند ممدوح الجبالي ولمّا كان مدخل النونية بهذه الحدّة والجزم والمباشرة لم تحتج المقدّمة إلا أن تكون تمهيدا ساحرا عبقريا يهيئ لاستيعاب هذا التسليم أو إذا جاز لي أن أسمّيه النطق الاعترافي:”أضحى التنائي بديلا من تدانينا-وناب عن طيب لُقيانا تجافينا” ولم يكن صوت فدوى ليُسَتَبْدَل بأحسن منه إن وجِدَ ليجسّد هذا المطلع المأساوي بنبرةٍ تهبطُ وتتهادى وترتفع وتتجاوز في أبياتٍ أربعة تنتهي في ذروتها بعد “آمينا”. هناك ما بين ثانيتين إلى خمس ثوانٍ فاصلة قبل لحظة الانهيار، أو الانهمار والسقوط حتّى، لحظة الوصول إلى النتيجة والتفكك، لحظةٌ تذكرني بصورة لسركون رسمها في قصيدته؛ سقطَ الرجلُ:”في وسطِ الساحةِ/سقطَ الرجلُ فجأةً مثلَ حصانٍ/حصدوا ركبتيه بمنجل” هذا النغم القصير المخاتل يحضّر لخبر كانَ أسهلَ لو حدث ولم يتحدّث عنه أحد ولو ظلّ ينزف كجرحٍ عميق لا يُرى، لكن:”فانحلّ ما كان معقودا بأنفسنا-وانبتّ ما كان موصولا بأيدينا/وقد نكونُ وما يُخشى تفرُّقنا-فاليوم نحنُ، وما يُرجى تلاقينا” عجيب، أيتها المودّة! ما أسهل انفراط عقدك. يا للعاشق حتى وهو يعرّي نفسه من أوهام الـ ما يزال، ويكاد، يجدُ لنفسه وقتا ليبرّر ويستذكر ويستحلف ويناشد وربما يبكي قليلا، لعلّ هذا ما فكّر به الجبالي عندما ترك فدوى في القالب نفسه تغنّي الأبيات العشر التالية تقريبا؛ هنا كان ابن زيدون يلتقط أنفاسه أو لعلّه يلفظها. ثمّ إلى النفق المظلم الحزين لبضعة أبيات وداعية، تتبعها انعطافة عجلى متوترة لكنها شرقية مُنغّمة كأعذب ما يكون، لا بدّ أنّا سنرتقي إلى عوالم ابن زيدون الغزلية العالية:”ربيب ملكٍ كأنَّ الله أنشأهُ-مِسكا وقدّر إنشاء الورى طينا” تجوّل ممدوح في بكائيات العشّاق واعتذارياتهم على لا شيء ربما، وطاف بصوت فدوى في الرياض الخضراء والنعيم الذي حال، ثم اختفى نغمُهُ كصوت فدوى بعد القفلة والخاتمة المولَّهة وألف القافيةِ الممتدة بجلالٍ مُهيب إلى الأعالي.