الموّال

ما أرحب فضاءَ الموّال، كم رفعوا فيه من ابتهالات ورجاوات وكم علّقوا فيه من بَسَمات أحبةٍ ومواعيد وأنهار وأنغام وحكايا وكم ملأوا مداه بالندى والصبايا والعطر والبشائر، ما يزالون يصعدون في آفاقه بأصواتهم إلى أعالٍ لم تُجرّب مسبقا وإلى سَكَتَاتٍ سَكرى لم تُختبر قطُّ، وما تزال نبراتهم تتطوّح في هوائه الشاسع والغريب فتبتكر نغما لا يُسمّى وتلمس مقامات لم يبلغها قبلُ أحد، كم تميل الرأس في مجهول مدارات الصوت وفي غموض هذه النشوة الروحانية، وكم تتشوّف العيونُ المُغمَضة لما يلمع في أفق البال على صدى الشدو البديع، ها هم يرقّصونَ أصواتهم ويزخرفونَ الترددات العابرة في الهواء ويترنّمون وجدا ويهزّون أوتارا سرّية في الغيب، وها هم يؤرجحون الكلام والألفاظ وينتخبون -بالوقف والامتناع والتقديم والتأخير والاستغراق- قواما جديدا لكلٍ منها ورنّةً خاصة بها، انظرهم يهيمون في صحراء التطريب ويقتحمون بسرورٍ أخطارَ انقطاع الأنفاس ويغيبون على مهل في خَدَرٍ لا يُستعادونَ منه بسهولة، ويجترحون مسافاتٍ بلا انتهاء إلا على الحواف، وينزِلون إلى أدنى نقطة في الصوت ويسمون إلى الذروة، ويرجفون المعاني فيزيدونها حسنا وحلاوة، ويرعِشون المدود تغريدا فيربكون المصغين بحيرةِ متاهات الترانيم، ويطيلون الليالي ويستعذبون “يا عين” ويحلقون في جوّ من التحنان ولوعات التوجّد، ما أرحبَ فضاءَ الموّال؛ كم ملؤوه بوافر التغاريد وفائض النغم فما ضاق عليهم، ولا يزال يمنّ عليهم بالاتساع والاستيعاب، ويعدهم بما لن يتوقّعوه في أندى البشائر وأفسح الأماكن وأقصى الأبعاد.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ