الصوت

ما أعذب أن تتعرّف إلى صوت جديد مصادفةً وسط هذا الصخب المكرور والضجيج الحيادي، ما أجمل أن تقودكَ هذه اللحظة البريئة العشوائية إلى كنز ثمين وصوت مُخبئ في الثنايا والهوامش، كأنها حينذاك تشفق عليك فتنقذك من عُقَدِ الحاضر ووحشيّة الآني وتدخلك في غيب المأنوس والمألوف، كأنها تُحيطك بما لا يُلمس ولا يتجاوز في الآن نفسه، بالضباب الحالمِ يغمر الروح وفضاء المخيلة، وبألف ألف مَن في الأعماق يلوي عُنقَهُ انجذابا وتلهّفا للنبرة ويصيخ السمع، إنها لحظةٌ جديرةٌ بالأبد؛ لكن كلّا، كغيرها من المفاجآت السّارة واللحظات الهائلة وَسَمْناها بالخلود وسرعان ما انسربت وتسللت وامّحى تاريخُها الجليل القصير؛ لا لشيء، إلّا كي تعود اللحظةُ بعد سنين عندما يعبُرُ الصوتُ -مصادفةً مرّة أخرى- مُحمّلةً بماضيها الزاخر ودهشتها المبتورة من غير عمد، عندها تسقط من سقوف الذاكرة وجوهٌ وأمانٍ وأسماء ولحظات ربما ميّزتَ فيها ومنها أحدا، أو لعلك لحسن الحظ أو لسوئه لم تتعرف على أحد، ولكنك كالمدهوش العَيِيِّ على مدخل حلمٍ نورانيٍّ مألوفٍ وقفتْ، وفي صدى نغمةٍ بعيدةِ الجرسِ غمستَ الحواس!

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ