
ما عرفت قافية تتفجر نغما في فضاءات السماع وتتشظى فراشات وعطرا مشاعا في بساتين الخيال كالدال، ما انفكّ أبو الطيّب يؤجلها ويؤخر فاعلها وخبرها ومبتداها وأسئلة الاستنكار في “عواذل ذاتِ الخال فيَّ حواسدُ” وما يزال يدفعها -بديهةً أو اشتغالا- إلى أقصى ما يمكن فتعطيه هذه القوافي الآبدة وتوقد في المخيلة معانيه العلويّة وتركيباته الهائلة وحِكمه المطواعة وتبوح بشيء من غزارة نغمه وكثافة موسيقاه السهلة الممتنعة، وها هو يكتب معنى ثم إذا انتهى إلى القافية وجد أنه لا يزال في المكان نفسه، راسما دائرة من التيه والاغتراب:”أهم بشيءٍ والليالي كأنها-تُطاردني عن كونه وأطاردُ” ثمّ يتابع:”وحيدٌ من الخلّانِ في كُل بلدةٍ-إذا عظمُ المطلوبُ، قلَّ المساعدُ” ملبسا الدال المضمومة في الفراغ يأسها؛ بلا صدى يعودُ، ولا عون معين، ظل أبو الطيّب طوال القصيدة يقلّب في التراكيب والجمل ويقسّم الأشطر ويقابل ويقدّم ويؤخر، ولم يبخل بالألفاظ؛ غريبها وقريبها وشجيّها وجموعها وجامدها وحيويّها وراقصها، ولا بالصور التي تتشوّف لها الأذهان والمعاني التي تطلبها الأنفس فلا تنتهي إليها، غير أنه -في أثناء ذلك كله- كان قد ترك لي خارج نغم القافية وتركيبة الأشطر نغمةً فوق البَيْعة لا أرجو سواها ولا أبحث عن غيرها، نغمةً تنظر لي من غيبها المجهول بابتسامةٍ عذبةٍ ومربكة، هي سكتةٌ موسيقيةٌ كأرقّ ما يكون على ميم السؤال بعد كسر اللام، هي عندي في الكلام، كالحِسانِ الخرائد..
“إذا كُنتَ تخشى العار في كلِّ خَلْوةٍ
فلِمْ
تتصبّـاكَ
الحِسانُ الخرائدُ!”