إلهام

رأيتُ فيما يرى الغافي ليلةَ البارحة صورة شعرية تنزّلت من الأعالي وجاء بها الإلهام كأحسن ما يكون، فتكاسلتُ عن تدوينها، وقلتُ: لن يُعجزني عن تذكّر لو شيء بسيط منها يقودني إلى الصورة كاملة كما رأيتها أول مرة، واضطجعت على جنبي الآخر ونمت. واليوم منذ أول النهار وأنا أُحدّق في الفراغ كمن ضيّعَ مُلكا. أقول لنفسي: عندما أُمعن النظر وأستغرق في التأمل وألحّ في التذكّر سيبين شيءٌ ما، لكنّ عقلي سيظلّ يخلق تلك الطبقات المضاعفة ويُقصيني كلما اقتربتُ منها تلك الصورة التي لن تُنال، والتي ليست لي في المقام الأول، ولسوء الحظّ أو لحسنه أظل مشجوّا بها، مستأنسا بما أكرمتني به وألهمتني بتحويهما الوديع حولي، وإن كانت بعد هذا كلّه لم تكن شيئا موجودا وأنّي أنا الذي صدّقتُ كذبتها وخيالها الواهم. بعد ساعاتٍ مطوّلة من إفراغ الوقت من معناه والمراهنة على قبضة من الريح في يدي، أستسلم لخسارتي غير المسجلة وأتخلّى عن الاجتهاد غير الضروري في البحث عمّا لا يوجد، أشيح ببصري وأترك ذاك الهاجس -الذي لا ينقطع حين أشاءُ فجأةً- يعتمل في ذهني، ويموت ببطء بلا مبرر، مهملا احتمالات تلك الفرصة الذهبية وطاويا ذاك الفضول الغريب في صدري والألفة الرهيبة تجاه ما لا أعرفه. ستمر أيام لا أدري عددها، ستعود فيها الصورة تلك، تومضُ في عراء المخيلة وتلحّ بإصرار مثل وخزٍ متتابعٍ تحت الجلد، وسأنتبه لها، وأعطيها حقها، وأستبشر بها كأنها كل نصيبي الباقي، وأجلس لها ليلتي بطولها. لكن ومع هذا كله، سيظلّ في خاطري وقلبي أنّ شيئا ما ينقصها، شيئا أخفته عني وحرمتني منه، أو ربما فقدتهُ في المسافة مع الأيّام وكثرة التطواف في خيالات المستغرقين والشاردين، سيظلّ ذاك الشيءُ المفقودُ يسلبها مسحةَ الكمال التي أحلم بها وأنتظرها من سنين على أحرّ من الجمر.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ