
تذكرني كلمةُ “شيء” في النثر والشعر غالبا بلا شيء، وغالبا كذلك ما يعتمد كاتبها على براعة مخيّلة القارئ ويتكئ على تصوّراته ويأمل أن تكون شاسعة وبلا حدود، فيتركك أنت مع تفسير هذا الشيء الذي لا يعرفه هو أصلا، يقول مثلا:”انهار من حولي كلُّ شيء” وها هو يُحيلك بلا تفسيرٍ موازٍ ولا سياقٍ يضع الأشياء في محلّها، وأحيانا ما تكون “شيء” هذه، حشوٌ وفراغ هائل يُعبّئ مسافة بين كلمتين ويقترح ما يليق أو ما يشبه خاتمة وقفلة مناسبة، يأمل من خلاله الكاتب أحيانا أن تتفهّم عجزه عن تسمية ما يريد، فتجده يهمس في أذنك، هذا السِّر الغامض البِكر دوما، لأنه يعوّل على فكرتك أنت، وقالبك الذي تختار أن تضعه فيه. وعكس هذا تماما، ما تجده في قصيدة شهيرة لسركون بعنوان (جئت إليك من هناك) القصيدة تبدأ بالنهاية:”نهايةُ العام:/عامُ النهايات/الطقسُ والغربان، ضيقٌ في نَفَسي/من كثرة التدخين، عِلّةٌ ما/(وحشةٌ، قلقٌ، ألمٌ دفين)/أطاحتْ بي لأطوف في أنحاء البلادِ المقفرة/وأقطع حول تلك الزاويةِ بالذات/حيثُ لاقاني وجها لوجه/قبل هبوط الليل:/صديقي/القصّاصُ هو بعينِهِ/لكنّ شيئا أفرغَ عينيه من الضياء” كأنّ سركون في هذا التمهيد العبقري يحضّر لوصول هذا الشيء، ليكثّف من معناه ويضفي عليه قصة وثقلا، فحزنُهُ والضيقُ والعلّةُ التي جعلته يطوف، وقدره الذي أخذه إلى حيث تلك الزاوية بالذات، وهبوط الليل والبداية النهاية وعام النهايات، والتعريف المضاعف (هو بعينه) قبل أن ينزع عنه باقي صفاته ويستدرك (لكنّ شيئا!) كلّ ذلك يُلبسَ “الشيء” شكله الأول ويقتبسه من حزن سركون، هذا كلّه، وصاحبنا لم يروِ لنا بعدُ قصةَ صديقه، وما هو الشيء الذي قلبَ قَسَماتِهِ وأفرغ عينيه من ضيائها، لكنّ القصيدةَ للتوّ بدأت، وعندما تقرأها أو تسمعها بصوت شاعرها؛ ستجد أنّ كل ما سيأتي لاحقا يرفِدُ ويعضد ويكثّف “شيئا” هذه ويشبعها حتى يكتمل معناها، وصوتها، وصورتها؛ حتى وإن بقيتْ بعد ذاك محتفظةً بهالتها الغامضة وسرّها الرهيب.