عن سركون، وكأنها حُلمٌ

ربما ألف ارتحاله وطاب له أن يتقلب ويتغرب في شوارع المدن البعيدة التي رغم تغنّيه بأسمائها، وحيطانها، وتاريخها وأزقتها الخلفية وشوارعها وناسها وحسناواتها لم تُبلّغه الجهة ولا الملاذ الذي يريده على ما يبدو، أو ربما اصطفته تلك اللحظات الفارقة والساحرة سريعة التلاشي والذوبان ليكون الشاهد الناجي الوحيد على ومضاتها الأصيلة وليروي عن كثافتها وخصوصيتها وأنفاسها الأخيرة، كان وفيا لما بدا هامشيا ومألوفا واعتياديا وكان دون أدنى جهد وتكلّف يصغي لما بالكاد يقول أو ينطق أو يُلمِحُ أو يقترح حتى، والشعر عنده كان ما تُمليه عليه الأشياء لا ما يُلبسها أو يزينها، والشعر عنده صورة هائلة ومعنى عبقري يفكّكه في جملتين أو ثلاث غير مزخرفات ولا غريبات يقلن بالامتناع ما يعجز عنه الكلام، عندما طرأ طارئ على القرية الجبليّة وأربك سكونها وعكّر صفوها، صوّرهُ فقال:”فجأةً يُستفزُّ الهواءُ/ويرتجفُ الليل في الشجرةْ/ثمّ نُصغي/لعاصفةٍ من رفيفٍ/لأجنحةٍ تتعالى/بآلافها في الظلام/العصافيرُ تهربُ من صخرةٍ/سقطتْ في فمِ البئرِ/من عُلْيها…” يا للإصغاء المُرهف، ويا لجلالة السكون المهيب أفسده فزع العصافير ورفيف أجنحتها، لو يدري السرب أنّ ما يخشاه ليس بكائنٍ! وعندما كان جالسا في إحدى صباحات الحديقة والندى، يتأمل ببراءة طفل وتخفّف زاهد وفأل حالم لحظات النهار الأولى ويستغرق لأنه ابن القصيدة والمشهد، واللحظة الشاعرة؛ لطالما وقعت في سحره والتقطها برشاقةٍ وتأنقٍ وسهولة لا تُعطى لأحد، بلغةٍ تُقتَطفُ اقتطافا قال:”‘الفراشةُ التي تطيرُ كأنّها/مُقيّدةٌ بخيطٍ خفيٍّ إلى الجنّة/كادتْ تمسُّ ذقني وأنا جالسٌ في الحديقةِ/أشربُ قهوتي الأولى/نافضاً من رأسي كوابيسَ الليلةِ الماضية/متململاً في الشمس…./رأيتها تعبُرُ فوقَ سياجِ الخشب/كأنها حُلمٌ أو صلاة، هي التي كانت/دودةَ قَزٍّ بالأمس، سجينةً/في شَرْنَقتها الضيّقة.” بدت لي هذه القصيدة المشهدية بمثابة سفر حالم نحو المعنى النورانيّ الأثير، رحلة إلى الأمل، والضوء، والبركات والبشائر؛ قد يتغرّب -فيها ولأجلها- محاوِلُها العمرَ كلّه.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ