ببطء وإلحاح

ما أطول عمر وحياة الصورة واللحظة الشعريّة في المخيلة، ما انفكّ خيالي يستعيد ضحكة هند الضبابية في مجاهل الغيب ويتطفّل عليها ولا يزال يسترجعها ويُلبسها بل ويفرضها على كل ضحكة غاوية وكل وعدٍ مؤجل ولا تكاد الضحكة تنضب بل إنها ترشح ندًى وعذوبة وأنهارا وليست قريبة أبدا من أن يطويها النسيان:”كلّما قلتُ متى ميعادُنا-ضحكتْ هِندٌ وقالتْ بعدَ غد” وما زلت أصغي في إغماضات السكون إلى موسيقى النهر المتدفق نغما وتطريبا؛ كأني إلى لا مكان أتبعه وأتخفّف معه وأرمي بهذا الهدوء الحالم كل شيء ورائي:”بالنهرِ فيّاضِ الجوانب يزدهي-بالمُطربين: خريرِهِ وصليلِهِ” وهذه الكوّة في البال المشغول تسمح بعبور الضوء والحياة إليه فتُنبّه صورة الاشتغال والحركة وتعيد تجسيد تلك اللوحة الهائلة:”وكُنَّ إذا أبصرنني أو سمعنَ بي-سعينَ فرقّعنَ الكوى بالمحاجِرِ” وها أبو الطيب يُعلّقني في فضاء عبقريِّ التصوير وسيريالي الأبعاد ويلتقط بعدسته السرّية لحظةَ الانفلات والانعتاق المرهونة بحركةٍ ينتج عنها هذا الانسكاب:”كأنَّ العيسَ كانت فوق جَفْني-مُناخاةٍ، فلمّا ثُرنَ، سالا” ولا يزال العالم مزدحما بهذه الصور الشعرية واللحظات الهائلة التي تُلهب الحواسَّ وتؤطر الأوقات والمواعيد وتغذّي الحكايا برحيقها الذي لا ينتهي، وتُضفي بحضورها الأليف على اللحظة ما لا يتوقّعه أشد المستبشرين والحزانى. عندما تقلّب في ديوان وديع سعادة (بسبب غيمةٍ على الأرجح) وتصل إلى قصيدة بعنوان (أمّي) “وضعتْ آخرَ نقطةِ ماءٍ في دلوها على الحبقة/ونامت قُربها/عبرَ القمرُ وجاءت الشمسُ/ وظلّت نائمة/الذين كانوا يسمعون صوتها كل صباح/لفنجان قهوةٍ/لم يسمعوا صوتها/نادوها من سُطيحاتهم، نادوها من الحقول/لم يسمعوا صوتها/وحين جاؤوا/كانت نُقطةُ ماءٍ لا تزالُ/ترشَحُ من يدها وتزحفُ/إلى الحَبَقة.” ستفهم ما كان يريد أن يقول دون أن يقوله، وستحفظ ذاكرتك طويلا هذه اللحظة الحيويّة والصورة الخلّاقة، وستظلّ تستعيد صورة نقطة الماء تلك، الرويّة دوما، والنديّة، وهي ترشحُ وتزحفُ ببطء وإلحاح إلى الحَبَقة.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ