
الأصفر يذكّرني بالشمس وأصفر على أصفر ليت محسن يشوفه وباليأس ورأس ڤيرونيكا المائل أمام النافذة كأنه جزء منها ويذكّرني بالأصيل واعتلال النسيم ووقفة ابن زيدون المطوّلة يُقلّب كفّيه ويستذكر ويرثي عهدا مضى وحال، وبالفُرادى في مقاهي الليل الطويل سكنوا المسافةَ وزهدوا في محطات الوصول وبشائر اللقيا ودموع المحبّين بعدها، وبابتسامات المرضى الهذّائين يغرفون من أقصى القلب حنانا لم يعرفوا أنه موجود، وبأعمدة الإنارة في الحارة القديمة؛ بضوئها الأصفر الكسول يُغيّب من الزوايا والممرات والخطى أكثر مما يبين لكنّه على الأقل يطيل في عمر هذا المدى المفتوح ويزيد السكون وضوحا ودفئا، ويذكرني الأصفر بباقي الصور العتيقة المحشورة في الحقائب والأكياس والجيوب، بقصصها الهائلة مجمّدة في زمانها البعيد وسالف أيامها المستحيلة، ويذكرني بطوق الذهب نسجتْهُ في أول النهار خيوطُ الشمس للعشّاق اللاهثين وراء ما لا يُنال والقنطرة تنأى وتبعُدُ، وبالتراب والعجاج والرياح المحمّلة تملأ سماء المخيلة وعن قريبٍ كالسهم يشقّها ممدوحُ أبي الطيب ومن ورائه قومٌ كأنّ أكفهم عرفنَ الرُدينيات قبل المعاصمِ، وبنار القِرى ما انطفتْ أبدا، ولا يذكرني فحسب.. بل يحشد لي الأصفر ملايين النهايات المفتوحة المنقوصة والمؤرجحة بين الشك واليقين، بين هوان المحتمل وسطوة الممكن اللاذعة، ويوقفني على أشفاء الذاكرة؛ أكادُ مع كل خطوةٍ واستذكار أسقطُ في هوّةِ كذبةٍ صنعتها وصدّقتها وانخدعتُ بأصالتها مع الأيام.