
كلما استدلّ تاهَ وكلما احتار حيّرته الخيارات أكثر وما أعطته الأيام والأقدار إلّا الدروب التي تضيق والمصائر التي تنأى وتوغل في الحرمان والقسوة، روحه مشدودة للارتحال والاغتراب، وليس في قلبه إلا ما يتداعى ببطء في الحل والترحال، كان احتمالَ بُشرى لكنّه اليوم يُفاجَئُ بزخّات المصائب المتكررة ويقف طويلا كي يستجلي تآويلها ويفهم حكمتها الممتنعةَ وسرّ غزارتها الغريب، ما أطلعَ الناسَ إلا على فأل التساهيل والآمال المختزلة في أبشر وهلا بك وعندي وسمّ وجاك، وما ادّخر لنفسه غير الحوقلة بها يتقوّى ويعبر ويصبر وبها تطيب أنفاس الثلث الأخير من الليل، كم طوى في صدره عن الآخرين من نُذُرٍ تهدّ الجبال وكم محا بالعناية والإضمار ما يمحونه بالإسرار والمكاشفة، من يا ترى نصّبهُ للشدائد والعظام وأضاءَ اسمَهُ وحدَهُ في ذاكرة المحتارين والمتورّطين والحزانى والناخين؟ من دفع نحوه كل أولئك المثقلين بأسئلتهم وشكاويهم ومصائبهم؟ وهل دروا رغم ما يروون عنه أنه لا يعطي إلا ما في قلبه ويده وروحه كلها؟! هو الغريب منذ كان، ضاعت حياتُهُ في المواعيد والمؤجل، وما اشتكى ولا عتب واكتفى بالقليل القليل، ربما علِمَ منذ البدء أن روحه الوثّابة وخطوته الجريئة خطيئتاه اللتان لن يغفرهما له أحد فألحّ ورضيَ بما سيجيء مرتقبا ومدركا فداحة ما ينتظره، وربما ودّ لو يداري هذا الخطر الساكن فيه ويسايره حتى النهاية ويقنع بالهامش؟! ومَنْ قال أن النفوسَ العلويّةَ تستشير وتختبرُ أصحابها قبل أن تجرّبهم وتكون لهم؟! ترويض جسارة الروح؟ هيهات هيهات! لا يزال هو النائي الممعن في تطوافه نحو لا مكان، ولا تزال تعتمل في روحه اضطرابات الحنين وأسئلة المجهول، وكأنّي به إذا أغفى واستسلم للطبيعي الدنيويّ سَمِعَ نغمةً كانتْ تصخبُ في خاطره يوما ما تحت الهجير، ورأى في البعيد أُناسا يغيبون في لمع السراب