
من زمانات كثيرة وأنا أعيش هذه الحالة قبل أن أقرأها في بيت شعر:”أوزع جسمي في جسومٍ كثيرة-وأحسو قراح الماء والماء باردُ” وقبل أن أعهد لها اسما أو أقتطع لها وجها مُتعبا من المشهد وقبل حتى أن أتتبع جريانها وتدفقها في عينية ابن زُريق:”كأنما هو في حلٍّ ومُرتحلٍ-موكّلٌ بفضاء اللهِ يذرعُهُ” ولم أعرفني قط في حالة من الاسترخاء والهدوء -كأنّ كل هذه الدنيا لي وليس لي منها في الآن نفسه شيء؛ وسيّان هما، في هذه اللحظة- إلّا عندما أقف ولا يد تمنعني ولا قيد يشدّني أمام إشارة تحمرّ ويزداد ولعُها كأنما تتنفّس، كأنّ عينا ما في هذا الفراغ الهائل تهزأ بي وتهددني وتنذرني، والإشاراتُ عندي فواصلٌ في كتاب المدينة غير أن نَفَسي قصيرٌ فأطيل الوقوف عندها؛ شاردا أو عائدا من حلم ذكرى قديمة أو ذكرى حلم قديم، ولا تجرّني من غفلتي غير الشتائم التي تنبّه أسلاف أسلافي من غيابهم الطويل، كأن الإشارةَ اختطافٌ لطيف، لحظة انقطاع قسرية عن عاجل الحياة وآجلها وأخبارها، فما هو عاجل يؤجل، وما هو ضروري ينتظر، وما قد يفوت فات كثير قبله ولا ضير، أو لعلّها كانت زمنا بين زمانين، مكانا بين مكانين، برزخا وهميا بين حقيقتين اثنتين، كم أثارت هذه النقطة الحمراء التافهة من براكين في صدري، وكم ذكرتني بملايين الأشياء التي لا يمكن استعادتها إلا بهذا التوافق الغريب مع المخيلة، وما استرجعته من لحظات اختبأتْ خلف غطائها الشفيف وانعكاسها الحازم، هناك فقط، وعندها في وقتها غير المعلن وتحت الاحتمالات الرياضية لتوقيت وموعد انطلاقي، ألتقط أنفاسي وأستريح من الركض المكرور في دوائر الحياة التي لا تفضي إلى مكان وأسخر من نفسي وحياتي لدقائق أتمنّاها أحيانا أن تطول، لكني أحيانا أخرى، فجأةً ومن غير أن أعرف السبب أجدني قد تهيأتُ للانطلاق، وبحماسةٍ لا معنى لها ولا مبرر؛ هكذا أنثرُ روحي وأنفاسي في هذا الهواء الخانق، أسافر بلا وجهة، وأذرعُ فضاءَ الله