بيت من الشعر

حدث مرات لا أحصيها أن تحسفت على قصور ذاكرتي المجحف في استحضار بيت أو شطر ناسب الحالة والموقف والوقت وأكاد ألمح شيئا من كلماته تطل برأسها وتختفي تتمنع أو كأنها تذكّر بقيمتها ولا تتعطّف إلا بعدما تنتهي الحاجة إليها وبعد أن تنزلق اللحظة في نهر الوقت ويمر الموقف وتظل الحسرة بوخزها الرشيق وحقدها المبرر في صدري إلى أن تحلّ محلها لحظة أخرى تشبهها. حدث مرات أخرى كثيرة أنْ وجدتُ بين يدي أو على لساني أو في ومضةٍ مريبةٍ في مجاهل البال شطرا يضيء ولا يُبين ما حوله، يلمع ولا يقترح مقطعا نغميا يفضي إلى ما بعده، هكذا فجأة أجدني أمام:”لقد ضلّ من تحوي هواهُ خريدةٌ…” أو مثلا مع:”نضجتم في الصميمِ من الدواهي..” فها قد قبلتُ القاعدةَ، ولكني لم أتذكر من الذين أنضجتهم الكُرب والمصائب؟ وحسبي أني اجتهدتُ فلم أوفّق، وحاولتُ فما استطعت. لكن مع هذا كله، تظلّ لحظات صغيرة، وضيئة كوجوه الأحبة البعيدين، فاتنة كأبعد ما يكون من ذكرى الطفولة، وشهيّة كأعذب ما يُجتَنَى، لحظات تفتح فيها يدٌ ما في المخيلة صنبورَ الشعر والكلام، فيتدفّق ويجري على اللسان، والبيتُ الشعريّ دوما عندي في أحلى تجلياته بمثابة قفزةٍ إلى قبرٍ أو ملاذٍ أو -معنويا- إلى لحظة إدراك جوهرية تنهار عندها كل المعاني المتراكمة وتعقيدات الوعي واللاوعي، لحظةٍ تشبه زفرةً علويّةً تأبى محاولات الإخفاء والتغافل والتجاهل، مقتطعة من الزمن وصاعدةً بمرارةٍ نحو أفقٍ غريب. “وأُخفِّضُ الزفرات وهي صواعدٌ-وأكفكف العبرات وهي جوارِ” وكفى ببيتٍ من الشِعر -يطرأ فجأةً- حكمةً وخلاصةً ورواءَ.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ