آخر الواصلين

يحكون عن شاعر بينما كان يتمشّى في شوارع قرطبة عائدا إلى منزله يخرج من جيبه مفتاح بيته في دمشق ويتحسسه ثم يعيده إلى مكانه أم أن هذه اللحظة المقتطفة من حديقة الزمن بكل شاعريتها ومعانيها كانت من قصيدة لنزار؟ لستُ متأكدا ويبدو أني لست في مزاج جيد لأتأكد، يحكون عن الشخص الذي يذهب إلى مقهى ويختار زاوية ما معينة ويظل يحدق بالباب دون أن ينتظر أحدا ثم يغادر بعد ساعتين، يحكون ويحكون عن أولئك الذين تُتوِّجوا بخصوصية اللحظات الهائلة وذاقوا سكّرها وحلاوتها بعيدا عن الركض المضني والدوران اللانهائي في حلقات الزمن المفرغة، أما أنا لو كنتُ كاتبا فيلما لكتبتُ عن خليل آخر الذين عادوا من الهوّة التي لا تُرجّى منها عودة أحد وخليل يليقُ به -في بالي- أن يكون في المشهد الشخصَ الذي ينبثق من تلك الفرجة الضيئلة جدا قُبيل أن تنغلق الجدران على بعضها، أو أن يكون آخر الواصلين في صالة انتظار المطار بعد أن انتهت العناقاتُ على الأبواب ولقيَ كل حبيب حبيبه، خليل هو سيّد اللحظات الاستثنائية بل ربما هو نتيجةُ أحلى وأعذب تجلّياتها، على الأقل بالنسبة لي إنْ لم يكن لآخرين غيري، لم يغادر خليل القرية قط، وظلّ بعيدا عن المقاهي قدر ما استطاع وأظنه لم يسمع بها، لكنّ خليلا كان حاضرا في حكايانا وقصص كبارها وصغارها وأحسب أننا بقليل من الجهد والاهتمام نستطيع استخراج روزنامة باسمه ونصل بين أيامها وبين أحداث الأعوام التي خلت، فأبي يذكر يوم ميلاده لأن صاحبنا يومها فقد إصبعين من يده اليسرى بسبب آلة ثقيلة سقطت يقول هو، من لا مكان؛ ويكرر ذلك كلما روى القصة، والقريةُ تعرفه لأنه بنى مسجدها القريب إلى كل البيوت بطريقةٍ ما تُعيد تعريف المسافة أو تقترح لها معان ودلالات أخرى، ربما لا يمكن إدراكها، وأنا أذكره لأنّه كان أول من فتحت عليه عيني اليمنى تلك التي كنت على وشك أن أفقدها بسبب شجارٍ بسيطٍ وحجرٍ مسافرٍ شقّ الهواء وأصابني قريبا منها، قاد بي وقتها ساعتين أو ثلاث إلى المستشفى ولم أحتسب ذاك خروجا من القرية لاعتباري أنّي لم أشهده، وإنما كنت في برزخٍ ما، ميّت من خوف فقد العين، وغائب عن الوعي لظنّي أنّي فقدتها، لكنه استدركني، ورأيته للمرة الثانية واقفا بجانب أبي عند رأسي في المستشفى، ويزعمون في القرية من زمانات لا حصر لها أنّ خليلا رأى فيما يرى النائم ذات ليلة أنه سيموتُ في سنِّ السابعة والسبعين، وكنتُ سأصدّق نبوءته، لولا أني أنظر إليه في صالة المطار قد تجاوز الثمانين بقليل، يمشي باتجاهي وقد تفرّق الناس، ومن خلفه حقيبة حمراء داكنة يجرها، قد ذكّرتني على نحو غريب برائحة الدم الحار المتدفّق على عيني ووجهي في واحدة من صباحات الطفولة، قبّلته على رأسه وبين عينيه وتحمّدتُ له بالسلامة، وأخذت من يده الحقيبة، وعندما فتّشتُ عميقا في طريق العودة الطويلة عن حكاية يصلح أن أبدأ بها كلامي ووجدتها، التفتُّ إليه، فإذا به قد أسند رأسه على نافذة السيارة وغفا من التعب

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ