
كأن أحدا مجازيا تلقّف هذه الحكايةَ التي تحوم حولها الشكوك والظنون إلى آخر العمر وإلى أن تسدل ستائر الحياة، وتظلّ هي هيَ النائيةَ عن كل محاولات الضبط والتيقّن، كأن أحدا ما استدركها قبل أن تضيع في زحام الحكايا في خلفية الذاكرة وأشجاني بها في ليلي الطويل. فجأةً خطرت على بالي صورة سعد، بعد منتصف الليل واقفا على الباب ومضرجا بدمٍ لا لون له، دم أحمرَ باهت وناشف يغطي وجهه ويديه وثيابه، يذكرني الآن بأحمر كيشلوفسكي في حياة فيرونيكا المزدوجة، حدّقت فيه لثوانٍ قبل أن أردّ السلام، قلتُ: سلامات وش جاك؟ قال: أخبرك بعدين، عادي أغسل عندكم؟ وبهذه الكلمات الخمس اغتسل ولبس شيئا جديدا ومضى مع الريح، ألححتُ بلا فائدة، وابتسم معتذرا وعند آخر الشارع لوّح ليتأكد أنّي قد رضيتُ عنه ربما وتفهّمتُ حرصه على سرّه، لا علاقة بيني وبين سعد أكثر من إيماءات وإشارات متبادلة بالسلام أمام المسجد، وأحيانا عندما تتقاطع طرقنا عائدين من المدرسة كلٌ إلى بيته نتفيأ ظلال الأشجار ونبحث في كل مرة عن درب أقصر وأكثر اختصارا، لكن لا يخفى على من عرف سعد ولو لدقائق حتى لو كان بليدا أنه ولدٌ غريب، وغريبٌ هذه، ليستْ صفة بقدر ما هي دعوةٌ للتفكّر والتأمل والتفسير ربما، فهو غريب، نعم، إلا أننا لا ندري كيف ذلك، ولا نملك ما يثبت صحّة افتراضنا أعني نحن أبناء الحارة، لكن لسعد بعد أن انقضت سنوات الدراسة الأولى دورةٌ ليلية نعرف متى تبدأ ولا ندري متى تنتهي، له كلمات يلقيها في وسط الحوار ولا ندري يقصد بها من، له أشياء أخرى تبعث فينا الفضول، كنّا قد تجاوزناها ولم نفكر بها بعد اختفاء سعد المفاجئ. بعد كلماته الخمس تلك وبعد وجهه المودّع واللطيف كما لم يكن من قبل، اختفى سعد لمدة يومين متتالين، على فراشي تلك الليلة أذكرُ أني جزمتُ على الذهاب إليه غدا، وأن أتعرّف عليه كما يليقُ باثنين دفعتهما الفرص والطرق والمفاجآت أن يكونا صديقين، يحكي أحدهما للآخر ربما أسراره المدمية التي يعود بها آخر اليوم، كنتُ فضوليا ولا أزال. في الصباح وجدتُ أمام باب البيت كيسا فيه قطعتين من الملابس، كأنهما لي، وبين القطعتين ورقة صغيرة مكتوبٌ فيها “شكرا وآسف” كان سعد وأهله قد غادروا الحارة التي كانوا يسكنونها منذ الأزل، قبل أن تكون، وقبل أن تُسمّى. عشتُ سنين في حارتي بعد اختفائه، ودفنتُ ذكراه الغريبة وراكمت قصصا أخرى وذكريات بدلتها بأخرى وهكذا دواليك، وكان قد انطفأ فينا ذلك الإلحاح العجيب، وهوسنا الفضولي زال، وطوينا صفحته تماما، قبل أن يستيقظ في ذهني بقدرة قادر بعد غياب طويل، ويشهق شهقةَ الأحياء تحت الركام، عجبتُ للحظةٍ كيف لي أن أتذكره، وعجبت للحظات كيف لي أن أنسى صورته المريعةَ تلك. سيتراءى لي وجهه وأذكره كثيرا منذ هذه اللحظة، وسأغبطه دوما لأن مصير هذا الوجه والذكرى التلاشي، كالمصير الذي اختاره لنفسه، وسأشكره من كل قلبي على حوارنا القصير جدا، وأدعو أن تكون ومضته المفاجئة في بالي مجرّد خطأ في سير الذكريات؛ لا مصيبة أخرى يطرقُ من أجلها بابا، كليلته تلك، والله المستعان.
ما تخمينك لما حدث؟
إعجابإعجاب
مرحبا طارق، ليس مهما ما خمّنته وأخمنه، ما يهم هو ما حدث، ولأني لا أعرفه ولن أعرفه على الأرجح فلن أتطفّل على ذلك الغيب والمجهول، بجهلي، يكفي ما ظننته سابقا ونسيتُهُ. وحياك الله.
إعجابLiked by 1 person