
هذه مقاطع كتبتها على فترات متقطّعة عن الأفلام، وليس لها قالبٌ معين، ربما تحدثت فيها مرةً عن شخصية أعجبتني أو أعادتني في الذاكرة إلى شيء ما، أو ربما تحدثت فيها عن موسيقى في الفيلم، مشهدٍ، مفهومٍ، فكرة، أمنية، وهاجس. أو لعلّي أحياناً تطفّلتُ ورويتُ القصةَ على طريقتي، وأخذتها إلى نيّة شاعرية، أو طرقتُ بها أبواب معانٍ لم يفكّر بها الكاتبُ ولا المخرجُ ولا أحد. المهم أنني جمعتها هنا، وهي في 25 مقطع لـ 25 فيلم؛ لا يشتركون في شيء أو ينطوون تحت تصنيف معين، لكنّ عشوائيتهم هذه تخلق هذا التنوّع البديع، الذي ألهمني في كل مرة أن أعود للكتابة لأنتج شيئاً خلّاقاً، أو رديئاً، ومن له الحقُّ في الحكم أصلاً؟ وهذا كلُّ ما عندي في المقدمة، وهي كمقدماتِ أغلبِ الكُتب والدواوين والأعمال الشعرية، لا قيمةَ لها ولا تقولُ في الحقيقةِ شيئاً إلّا ما ندر، والله المستعان.
١
the usual suspects
“گايزر سوزيه”
كايزر سوزيه هو ذا وحشُ الطفولة. مروّضُ خيالاتي الشيطانية. دمُ أحلامي البيضاء. الهواء الخانق في كل كابوس. الاسمُ الوحيد الذي لا يعود مع الصدى. والاسمُ الذي لا يُنصَحُ بتكرارهِ ثلاثاً أمامَ أي مرآةٍ معلّقة. وهي ذي حكمتهُ الأخفّ من فراشةٍ، والأقلّ من ذكرى. يمدّ يده في كل مكانٍ ولا تصلُهُ يد. وتضربُ صاعقتهُ المكانَ ويتلاشى في الهواءِ بنفخة واحدة. كم مرة رسمَتْ أحلامي وجههُ وما رأيتُ سوى ظلّه، وكم مرةٍ لحقتُ به وتُهت. وحيداً وبعيداً في الشكّ والزيف. وقريباً من ذلكَ الحدسِ الذي يطرقُ البال كل لحظة. كل مرةٍ سئمتُ فيها حيرتهُ وحيرتي فيه فضّلتُ التخلّي عن الإيمانِ بوجوده. لكنّ جزءاً مني يريده أن يكونَ موجوداً، رغبة موقوتة وفضولية. لا لشيء، أو ربما لأنه كايزر سوزيه ذاته وحش الطفولةِ ولأن الخُطى المعوجّة تستقيم مع الوقت وتتكشّفُ أسرارها.
٢
25th hour
“مونولوج الاحتمالات البعيدة”
في الطريقِ إلى بلدةٍ سيُحتجزُ فيها سجيناً لسبعة أعوام مونتي الذي عاشَ يومهُ الأخير حُرّاً ومقيّداً داخلَ أفكارهِ بين أصدقائهِ وشفاه محبوبتهِ ويأسِ أبيه الحزين المُذنب في نظرِ نفسه، هذا الأخيرُ وهو يصطحبُ ابنهُ الوحيد إلى ملاذه الجديد ومنفاه الأول يطرحُ فكرةً مُريحةً ومُخلّصة ويسترسلُ:”قُل لي انعطِف يساراً وسأفعل، أعطني إشارةً فقط. أُرسلك لمكانٍ تنتقلُ إليه، اِبحث عن بلدةٍ جميلة، في الطريق سنتوقّف في شيكاغو للعب الأكواب، لقد أخبرتني دوماً أنك تريدُ رؤية حقل ريجلي. إذا كان هذا ما تريده فسأفعله. …. أتعرفُ كيف يعثرون على الناس؟ يعثرون عليهم عندما يرجعونَ إلى البيت. أُناس يفرّون ولكنهم عادة ما يعودون. لكن أنتَ ستذهب، ولن تعود أبداً. اِذهب إلى أي مكانٍ مجهول. اسلُك ذلكَ الطريق مهما بعُد. … كل رجلٍ وامرأة وطفلٍ حيّ، يجبُ أن يروا الصحراءَ قبل أن يموتوا. لا شيء سوى رمل وصخورٍ وصبّار وسماء زرقاء. لا روح على مرأى البصر. لا صفارات إنذار لا سيارات ولا منبّهات سيارات لا يوجد مجنون يلعن أو يتبوّل في الشارع تجدُ الصمتَ هناك، تجدُ السلام. يُمكن أن تجد الله. لذا نستمر بالقيادة، حتى نجد بلدةً لطيفة. هذه البلدات خارجَ الصحراء، أناسٌ أرادوا الفرار من مكانٍ ما، الصحراء هي مكان الحياة الجديدة. لا تزُرني أبداً، أؤمن أننا سنجتمع مجدداً لكن ليس في هذا العمر. سوف تجد لنفسك عملاً وتعمل بجد. ستفتقد أصدقاءكَ، وكلبك، لكنك قويّ. ستبني حياة جديدة وتنسى حياتك القديمة. لن تكتب شيئاً، لن ترسل ولن تعود. وربما بعد سنتين ترسلُ إلى حبيبتك وتجيء. ستبني عائلة، وستكبر هذه العائلة ويوماً ما ستجمعها وتخبرهم القصةَ كاملة. من أينَ جئت، ومن أنت، وقد يكونوا حقاً محظوظين بما قُدَّر لهم. هذه الحياةُ كانت قريبةً جداً من حدوثها” ورُبما كانَ هذا الحديثُ الطويل المسترسل قريباً جداً من حدوثه، رُبما كان هذا المونولوج هو الوداع الأخير. مونولوج احتمالات الحياةِ التي كان يمكنُ لها أن تسيرَ في اتجاهٍ مُغاير. قد يكون هذا ما احتاجهُ مونتي فعلاً، ولمَ لا يكون الصمتُ الدافئ بعينين غارقةٍ في حيواتٍ بعيدة جداً هو ما احتاجه لينجو وينسى أنه عاش.
٣
american beauty
“الجمالُ الأمريكيّ والقلبُ الواهن”
الرَّاوي الميّتُ گيفين سبيسي يحكي عن تلكَ اللحظةِ الأخيرةِ قبل الموت مُباشرة. لحظةٌ تمرّ فيها حياتُكَ كاملة أمام عينيك. تلك اللحظةُ التي لا تنتهي وإنما تتكرّرُ كما يدّعي كمحيطٍ من الوقت. وفرةٌ منَ العذاب، وقليلٌ من المباهجِ الصغيرة تلكَ التي رآها في لحظتهِ المُسافرةِ في الزمن. الأشياءُ والتفاصيل العبثيّة والتي لا تطرُقَ البال إلا خلالَ هذه الرحلةِ المؤقتة والمديدة. رأى نفسه مُستلقياً تحتَ السماء مُلاحقاً بعينيهِ النجومَ خلالَ الطفولةِ ثمّ تبعت تلكَ اللحظة الضئيلة لحظةٌ حالمةٌ لابنتهِ وصديقها مُستلقيينِ بوداعة. ثمّ مشهدٌ لأوراقِ الشجرةِ الصفراء الممتدّة على الشارع وبعدها دموعُ مينا سوفاري المراهقةُ الطائشة أمامَ مرآةِ عاديّتها. تدومُ اللحظةُ كحياةٍ موازية. يدا جدّتهِ وجلدها الذي يبدو كالأوراق، أوّلُ مرّةٍ يرى فيها سيّارةَ قريبه. زوجتهُ المُزيّفة تحتَ المطر، وقاتله تحتَ الظلام. ووراءَ الباب، جيني، وجيني، وجيني. گيفين الرجلُ السؤومُ الساخط بابتسامتهِ المُهذّبة الساذجة والخبيثة يموتُ في كل لحظةٍ منذ الأزلِ ويتذكّر أن عليهِ أن يستريحَ، ويكفَّ عن الغضب، لأن لا فائدةَ من الغضب أمام كل هذا الجمالِ الكثير على القلب. كل شيءٍ دُفعة واحدة، ولا يُحتمل. القلبُ سينفجرُ حتماً والموسيقى تؤهبكَ منذُ البدايةِ لأن تتخلّى عن كل هذا وتمضي.
٤
heat
“ثلاثونَ ثانية وحكمةُ دي نيرو”
ثلاثونَ ثانية قد تكفي للاغتسالِ من ذكرى خطيئة أو للتجرّدِ من ثيابِ وهم. ثلاثون ثانيةً قد تكفي لتركِ بصمةٍ في هذا العالم وفي الوقتِ نفسهِ للاختفاءِ ومحوِ كل أثر. وقتٌ طويلٌ للاستفاضةِ وحصّةٌ فاتنة من التكثيف. ثلاثونَ ثانية هي العُمر الجديد، المحطّة المُخلّصة والرحلةُ المثالية لمُنتهى الاحتمالات. هي المنعطفُ الحقيقيّ والثورة على كل خيالٍ وماضٍ. تكفي للاستغناءِ الذي لا يُعدّ إثماً وللبقاءِ الذي يشبه سلسلةً لا تنتهي من الأحلام. نصفُ دقيقة غفوتُ فيها على لحنٍ شجيّ واستوعبتُ لوحةً وهدهدتني كلماتٌ لَمَعت في الذاكرة. وأيُّ شيءٍ مُريحٍ كأن أعرفَ كم تستغرقُ رحلتي منّي إليّ! ومن أولى الخيالاتِ إلى غايةِ اللمس. ومن طفولةِ الفكرةِ إلى سهولةِ التخلّي عنها. ثلاثونَ ثانية، لا أقلّ ولا أكثر. توقيتي الجديد غيرُ قابلٍ للضبط والإعادة. كلُّ فرحٍ زاهٍ تلزمهُ ثانية، وكل حزنٍ سافرٍ تقديرهُ على الأرجح ثانيتان. والهربُ يعني عرقلةَ الوقت وإيقافه هناك. لو فكّرتَ قليلاً فثلاثونَ ثانية-بقليلٍ من الانضباطِ والتقديرِ الجيّد-تكفي لتُغادرَ كل من أحبَّكَ وأحببتَ. إلى الأبد.
٥
good will hunting
“اللحظةُ التي تسبقُ البكاءَ”
هُناكَ في اللحظاتِ الضئيلةِ الخفيفة سُرعانَ ما تتلاشى. هناكَ في التفاصيلِ والتقاطُعات، في الصمتِ الخالي إلا من شعورٍ ساذجٍ وغريب أنَّ ثمّةَ ما يُحاك، ثمّةَ ما تُعَدّ له ويُعدّ لك. هناكَ فقط تُيتّمكَ الدمعةُ وتفضحكَ الحقيقة. تحذرُ من كل هذه الحيواتِ التي اندفعتْ باتجاهك. هناكَ وأنت ترى بعينيكَ ولادة شخصٍ حاضر وتفجُّرَ حياةٍ مطلية بالاختفاءِ والهرب. عندما تتعرّفُ الكائنَ الجديد يرتمي بين يدين مُتعبة ونظرةٍ عطوف تكونُ قد التقيتَ(ويل)الفتى النزقُ المتعجرف والعبقريّ ينسلخُ من كل ادّعاءاتهِ ويستسلمُ وينهمر. الفتى الذي داومَ على فعلِ أشياء بسيطةٍ وصغيرة ولم يسعَ لشيءٍ آخرَ مهما تدفّقت باتجاهه الفُرص والعروض. الفتى الهارب من حقلِ الشوفان بنظرةٍ مُزدريةٍ للعالم. والذي شحذَ أطرافَ حياتهِ حتى لا يفكّر أحدٌ بالاقترابِ منها. يدعونا جميعاً إلى مناحةٍ من نوعٍ خاص. ويعتذر. آسفٌ، أنا آسفٌ جداً.
٦
maystic river
“نظرةٌ أخيرةٌ على الأشياءِ كُلِّها”
فتى شقيٌّ يولدُ كلّ عامٍ، كل يومٍ وكلّ لحظة. فتى بروحٍ ميّالةٍ للشغب. تتجنّبه الحياةُ ويتجنّبها، تراوغهُ ويراوغها، وتبسطُ له على مَهَلٍ وجعاً خفيّاً لا يُرى ولا ينضب. تجهّزه ليتذوّقَ أقسى مراراتها وتحضّرهُ شيئاً فشيئاً حتى يكونَ شاهداً على كلِّ مآسيهِ وذنوبه.(جيمي)وقبلَ أن تختفي ابنتهُ من حياتهِ تماماً، قبل أن تكونَ”علامةً أُخرى، جاءَ القدرُ ليجمعها”تنظرُ نظرةً دافئة-وتَشي بوداعٍ خَجِلٍ-نحو أبيها. أبوها(جيمي)الذي عرفَ أو أحسَّ لا باليقينِ وإنما بالحدس أنها نظرةُ الأشياءِ الأخيرة. تعرّفَ إلى ذاك النداءِ، وأرّقتهُ تلكَ النظرة التي ستغيبُ أبداً. نظرةٌ يعرفها الأبناءُ المخلصون تماماً كما يعرفها الآباء. سِرٌّ كونيّ منزوٍ وعنيد، يتملّصُ عن التسمية، ويهربُ من التثبّت. تكفي تلكَ المعرفةُ المعقّدة والعصيّة على الشرح. يكفي ذلكَ الإحساسُ بأن ليس ثمّة ما هو نهائيٌّ ومُحرّر لهذه العلاقة، لا المصائر التي نرِثُها ولا العاداتُ التي نستدلُّ إليها في الغضبِ والتوتّر، ولا التفطُّن للأسئلةِ المتروكةِ بعناية. بل هناكَ خيطٌ خفيّ موصول بالطرفين، عهدٌ لا ينتقض، ونظرةٌ أخيرةٌ على الأشياء كلها.
٧
12 angry men
“اثنا عشرَ شعورًا ومصيرٌ واحد”
ثُنائيّةُ الأملِ واليأس. الغضبُ من جهة والامتنانُ من جهةٍ أخرى. حيلةُ الفَرَح وفجاجةُ الأسف. الندم الذي يحرثك والخيبة التي تعتَصِرُك. الفضول الذي يستنزِفكَ والذعر الذي ينصِبُ فخاخه. الخجلُ مُشذِّب الروحِ والضجرُ سالخها السادي. كُل هذه العيون تنظر نحوكَ، تتبعك وتحرسك، تتلاعبُ بك وتستفزّك. تحثّك، وتدافع عنك، تعرّيكَ وتفضحك، تختلقُ لكَ الأعذار وتهدهد ضميرك. يشفيها أن تحكمَ عليك، يقضُّ مضجعها أن تتركك وشأنك. مشاعِركُ هي الحَرَس، ذنوبك وخطاياك. وأحياناً، محاسِنُكَ وأسباب وبراءتك. وأنتَ تطفو، وتحلُم بصوتٍ يُناديكَ ويوصيكَ”جِد ما تُحبّ ودعه يقتلكَ*” لا تنسَ أن تجدَ اثني عشرَ شعوراً وتدعَ مصيركَ بين أيديهن.
*”الاقتباسة لـ بوكوفسكي”
٨
cool hand luke
“ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي”
إذا أعادوا لكَ حياتكَ ولم تُحسن استخدامها ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفراديّ. إذا سلبوا منكَ حياتكَ ولم تتصرّف ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي. إذا تأخرتَ عن موعدٍ أو قُبلة ستقضي ليلةً في سجن انفرادي. إذا استيقظتَ قبلَ انتهاءِ الحُلمِ أو بعد انسحابِ سكونِ المدينة ستقضي ليلةً في سجنٍ انفرادي. إذا هممتَ ولم تقُل، إذا قُلتَ وانفرطتَ حكايا وندم وانتهكتَ قداسةَ الصمتِ تقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي. إذا نظرتَ نحو عينين باتساعِ الألفة ولم تحمِل إليهما النعشَ والكفنا ستقضي الليلةَ في سجنٍ انفرادي. إذا تبعتَ الغيابَ ووقفتَ مكانك، إذا تطفّلتَ على زاويةِ مقهى أو بئرِ طفولةٍ، إذا تجمّدتَ أمام فجرٍ أو تهيأتَ لاستقبالِ قصيدةٍ فستقضي ليلةً طويلةً في سجنٍ انفرادي. إذا كنتَ تعرف أن كل هذا سيمضي، إذا عرفتَ أن كل هذا مضى ستقضي ليلةً في سجن انفرادي. إذا فقدتَ ابتسامتك، أو قبضتَ أخيراً على معنى أو خصر، أو تخلّصتَ من وهمِ الحكمة وحمّى السؤال ستقضي ليلةً في سجنٍ انفرادي. إذا سألتَ الله أنهُ مهما فعلت، مهما فعلتَ ألّا يُعميكَ-على الأقلّ-لدقيقتينِ إضافيّتين ولم ترَ، فستقضي الليلةَ….
*“لقد حملتُ إليها النعشَ والكفنا”عمر أبو ريشة.
٩
inception
“الازدراعُ وثلاثيةُ الأحلام”
ما الحياةُ التي تنتهي بأقلّ قدرٍ من الندمِ والخسائر والخطايا، ما الحياة التي تكون أقصرَ دوماً عن الانتباهةِ وأطول من الوهم، ما الحياةُ التي نخرجُ منها غير مُحمّلينَ بالوصايا ولا موسّمينَ بالوعودِ الزائفة، ما الحياة الأقربُ منها إلى مُزحةٍ من ضجر، ما الحياةُ الوحيدةُ التي تجيء على مقاسنا، ما الحياة الأقلّ دائماً من كل خللٍ وتعب والأكثر من انتصارٍ ووصول، ما الحياة التي لا نضطرّ إلى تخبئتها ومُداراتها عن الآخرين، ما الحياة التي نختارُ فيها أحبّاءنا، ما الحياة الـ تكونُ فيها آمالُنا أقرب من فراغٍ بين سبّابتين، ما الحياةُ التي نختارُها ولا تسحلُنا خلفها، ما الحياة التي نستحقّها بعد أصدقِ اعتذارٍ ونستعيدها بعد ارتطامنا بالماضي، ما الحياة الـ نتخفّفُ بها من آثامِ غيرنا وكوارثه، ما الحياةُ التي نقفُ فيها على شُرفاتِ طفولةٍ وننظرُ باطمئنانٍ للسعادة وهي تعرّشُ فوقَ البيت، ما الحياة الأعذبُ من نداءٍ خفيّ، والأحلى من عناقٍ على بابِ المطبخ أو في غمرةِ شَجَرٍ أبيضٍ كثيف إلا حُلماً يتداعى داخلَ حلمٍ ينهارُ داخل حلمٍ يغيبُ في حلمٍ آخر.
١٠
The Double Life of Véronique
“حياةٌ مزدوجةٌ وخدرٌ في الألوان”
رأسٌ تميلُ كأنما أثقلتها الموسيقى أو نداءٌ مجهول. وظلالٌ تنحسِر عن جسدٍ يتجلَّى وسط خدرِ حلقةٍ ثُلاثية من الألوان. أحمرُ يتسرّبُ إلى المشهدِ كنُقطةِ دمٍ مُسالةٍ في مُكعّبِ ثلج، أو كأثرِ خجلٍ بعد قُبلةٍ مُفاجئة. وأخضر باردٌ يُعبئ التفاصيلَ والعتمة. وأصفر فاقعٌ يأتلقُ في الوجوهِ التي تئنُ وتلكَ التي تغنّي تحتَ المطر. حياتانِ اشتركتا في الكثير ورأتا العالمَ مقلوباً على رأسهِ وأحبّتا وتوارتا وركضتا وأصغتا وأحسّتا بالوحدةِ بعد الأُلفة، وبلمسةٍ خفيّة ناعمةٍ للطفولة، التقتا صُدفةً عابرة، وافترقتا. لكنّ كلّاً منهما شَعَرتْ بثقلِ الأخرى عليها، أو بثقلها على الأخرى فوضعتْ يدها على قلبها أو دسّت أصابعها بينَ الشفاهِ المتشققة.
١١
1917
“الوقتُ هو عدوّي”
على هامشِ غلافِ الفيلم(1917)ولكن بشكلٍ فاضِحٍ لا يُمكن تجاوزهُ، كُتبَ”الوقتُ هو العدوّ”حينَ قرأتُها تفتّحتْ في البالِ ألفُ معركةٍ وعُلِّقتُ ضحيةً ورضيتُ بالخنوعِ وفتحتُ عيني على هذه العبارةِ الصغيرةِ وقد استدعتْ شبيهاتها وذكرياتِها الشاعريّة فتذكّرتُ سرگونيّةً”هُنا حيثُ أتدرّبُ على الإيماءِ السالبِ منذُ الظهيرةِ، وأتعلّمُ كيفَ أقتلُ وقتي كأنّهُ عدوّي”وتفطَّنتُ لأخريات، وشعرتُ أني فوَّتُ واحدةً بينهنَّ ورحتُ أشاهدُ الفيلم. وفيما الجُنديّ المجهولُ حاملاً طوقَ النجاةِ، يعدو عكس اتجاهِ الوقتِ، يُدافِعُ ويُزاحِم ويُغالِب دموعه، يتنقّلُ بين الثكناتِ وتغوصُ يدهُ في الأجسادِ المفتوحةِ وأحشائِها، يلتقي بطفلةٍ تتعرّفُ على أناملِهِ وسطَ هذا الجحيم، يعدو وتتبعهُ الكاميرا مثل ظلالِهِ، يقفِزُ كغزالةٍ في النهرِ، ويخرُجُ من بينِ هذه الجُثثِ كناجٍ أخير، ثمَّ يتبعُ ذاكَ النداء السحريّ العذب في الغابةِ ويميلُ برأسِهِ على جذعٍ شجرَةٍ ليستريح. خلالَ كلّ هذا كانت أُغنيةٌ تعتملُ في ذهني، أغنيةٌ تذوبُ في روحي مثل سرٍّ صافٍ، تلكَ الأغنية اليتيمةُ لكريستوفر فوجلمارك بعنوان(الحُبّ كانَ عُذري-Love Was My Alib)والتي تبدأ هكذا:“Time’ll be the enemyWhen you’re locked in a world of pain*”
١٢
K–PAX
“كوكبٌ بعيد ومناحةٌ جماعية”
إذا أردتَ أن تُلقي نكتةً في قلبِ غرفةِ انتظارٍ متوتّرة، إذا أردتَ أن تُسعفَ صديقاً حزيناً بنكتةٍ لا تُقاوَم، إذا كنتَ تحاول إنقاذَ لحظةٍ شعرتَ فيها أنكَ ساذجٌ وخارج المكانِ، إذا تورّطتَ بطفلةٍ تبكي بين يديكَ قُل إنكَ:”وصلتَ للتوّ من كوكبِk-pax” لكن، لو للحظةٍ واحدة، تخيّلَ أننا في إغماضةِ العينِ وحمّى الألمِ ومرارةِ التجربةِ نصيرُ إلى تلكَ البلادِ البعيدة، اعتبرْها مدينتنا الفاضلةِ، تخيّلها مخرجَنا من المأزِقِ الأبديّ! على ذاكَ الكوكب الذي اخترعتْهُ عقولنا هرَبَاً من الاصطداماتِ المبكّرة، ومن تجارِبِ الطفولةِ، وعفونةِ الخيبة، ومآسي المُخيَّلة المُعذَّبة؛ وفراراً من الظنونِ وسوءِ الفهمِ والتقدير، ونَزْعةِ الغضب وغيابِ الذينَ نُحبّ، وانكسارِنا الأثيرِ على الأسرّةِ والأرصفة. تلكَ الصورةُ المعزولة عن الأخريات، ذلكَ المكانُ الآسرُ بصفائِهِ وبركاته، بالمنفيين فيه والغائبينَ عنه. لو استطعنا عنَ طريقِ اختلاقنا الانسحابَ، ووجدنا هناكَ في بصيصِ النورِ كوكباً مُعلّقاً، حياةً أخفّ من هذه، أكثر مرونَةً وألفة، وتبعنا مصائرنا إليها، وتحلّقنا حولَ”زهرةِ اليورك، وشممنا عبيرَها خلالَ النسيمِ العليل*”ثمَّ بعدَ كل هذا، تخيّلَ أنكَ انتصبْت بيننا وقلتَ:”إنكَ ذاهبٌ إلى كوكبِ الأرض.”هل ستتوقّعُ شيئاً أقلَّ من أن تختنقَ الأنفاسُ ويتحوّلَ الجوُّ إلى مناحةٍ جماعية؟
١٣
the hunt
“وحشيةُ الإشاعات والكذبات الصغيرة”
حكايةٌ عن أحدِ رجالاتِ الضيعةِ صالح، المعلّمُ البسيطُ كانَ مُختاراً لإلقاءِ خُطبةٍ في حضورِ شيوخ القريةِ وأهلها، وأثناءَ ما كان يخطبُ سقطَ شرواله الفضفاض إلى كعبيهِ فضجّت الضيعةُ بالضحكِ والصراخ. شروالُ صالح الذي صارَ حديث الناسِ ولُبّ حواراتهم أرغمَهُ على الارتحالِ والغياب. وبعد عشرينَ سنةٍ عندما هزّهُ الشوق وأمالتْهُ الصبابةُ، عادَ يُرشِدهُ النسيم والحنينُ والناس إلى ضيعتِهِ ومسقط رأسه (كَفْر الصفصاف) ولمّا وصلَ، وجدَ أن الضيعةَ ومقهاها ومقبرتها سُمّيت بضيعةِ (اللي فِلِتْ شرواله) تذكّرتُ هذه القصة لحظةَ توقّفت فيها الصورةُ وعادتْ الموسيقى في فيلم”The hunt”ورغمَ أن هذا الأخير لم يفعل شيئاً، ولكن ما يُشاع وحده مقبرةٌ جماعية نلتقي فيها جميعاً. يروي الفيلم قصّة لوكاس، معلّمٌ محبوب بينَ الجميع وفي مدرسةِ الأطفالِ حيثُ يعمل، كلّما حضرَ تخاطفتهُ الأيدي والعناقاتُ والقُبلُ البريئة. يضيعُ كلّ هذا وتنقلبُ حياته عندما تكذبُ طفلةٌ كذبةً صغيرة بحقّه ويصيرُ في عيونِ الآخرين أقلّ من حشرة. جرجرَهُ هذا الزَعم، وتلاعبت بهِ الحياةُ كما اشتهت. وفي المشهدِ الأخيرِ بعد أن حصحصَ الحقُّ وانتهى كل شيء. كان واقفاً في الغابةِ ورصاصةٌ طائشةٌ مرّت بجانبِ رأسِهِ واستقرّت في الشجرة. إنها الإشاعةُ نفسها، لها خبرةُ صيّادٍ وضحكةُ شيطان. كانت تهزأ منهُ وتُغذّي ساديتها الوحشية.
١٤
night train to lisbon
“اقتفاءُ شاعرٍ ولحظةُ الغياب”
مُعطَّلاً عن حياةٍ عشتُها وسأعيشُها كيفما كان، خفيفاً مضيتُ عن حياةٍ أحياهَا بأقلّ مجهود. خفيفاً وطافياً كأنما اصطادتني موسيقى غريبة وستأخذُني إلى مكانٍ ما. وكأنَّ حنيناً عميقاً أذابني وأنقذني من هذه الورطة. هل هذا ما يشعُرُ بهِ من اقتفى حياةَ شاعرٍ أحبَّهُ، ومشى في ظلالِها؟ هل هناكَ يدانِ طويلتانِ كفاية لتتحسَّسا وجهاً هامَ فيه؟ ورغبةٌ مجنونة لعبورِ منافيهِ الأثيرة ومُدُنِهِ التي لا تُحصى؟ ومخيّلةٌ أخرى للتطفُّلِ على آلامِهِ وآماله وعذاباتِه؟ وأصدقاء كثُر كانوا دوماً في الصورِ على بُعدِ قصيدةٍ أو هاجِس. أمشي في مكاني، وأحفرُ بيدي وتنهيدتي في ذاكرةٍ لم تأذن لي، وأبتسمُ طويلاً حينَ أكون في اللحظةِ الطائشة في القصيدة إلى جانبِ سيّدها؛ في ظلالِ جدار، أو في الطريقِ إلى المطبخ، أو نفقِ مترو*. وفي لحظةٍ أنتبهُ وأعودُ خالياً إلى حياتي، تلكَ التي لن تُذكَرَ-بالخطأ-في حديثٍ جانبيّ، وآملُ أن يسامحني العالمُ على لحظةِ غيابي القصيرة.
*”أماكنُ ولحظات من قصائد لسرگون بولص”
١٥
the sting
“الاحتيالُ الطويلُ وقطعُ البازِل”
كلُّ قطعةٍ نقديةٍ تختفي خلفَ أذنِ طفلة تَهْوي لحظتها إلى قاعِ بنكِ العُملاتِ الاحتياطيّ للعالم. كلّ حَمَامةٍ تدخُلُ نفقَ قبّعة تنتهي في سربِ طيورٍ لا يُرَى مرّتين. كلّ يدٍ تتوارى في جيبِ صاحبها تتركُ أثراً في جنّةِ الغياب. كلّ ورقة تسبحُ في الهواءِ تصوّبُ نظرَها إلى صاحباتها في الخيالِ يتحلّقنَ حولَ بعضهنّ، ويتخفّفنَ بالدوران. كلّ سكينٍ تخطفُ أنفاسَ الهواء وتنطلق نحوَ جسدٍ شبه عارٍ ومُثبّتٍ على جدارٍ يلفّ بجنون، تنغرسُ في كُرسيٍّ سيصيرُ عرشاً وسيجلسُ عليه أكبرُ المُحتالين وسيّدهم. كلّ فَمٍ ينفخُ النارَ، يُحيي ذكرى أوّل ديناصورٍ طويلِ عُنُق، احتالَ ومدّ عنقه طويلاً ورأى التاريخَ كلّه وانسحب. كلّ فاتنةٍ تحاولُ أن تفكَ سلسلةَ العُقد والأقفالِ حول يديها وقدميها بينما تغرقُ في خزّانِ ماءٍ شفّاف، تصيرُ عاشقةً تستحمُّ تحتَ شلّالٍ في مكانٍ مجهول في العالم البعيد. كلُّ احتيالٍ تافهٍ هو قطعةُ(بازل)وحيدة، تراها من كلّ مكان وزاويةٍ فلا ترى شيئاً، ولكن حينَ الخُدعة طويلةُ الأمد تكتملُ وتتكشّف على الطاولةِ، تصيرُ كابوساً لا يُطاق. كلّ خدعةٍ مُجرّدُ بداية، والبداياتُ مثل الخطايا، يستدعينَ بعضهنّ.
١٦
rear window
“هيتشكوك ونافذتي المفتوحةُ على العالم”
من نافذتي المفتوحةِ على العالمِ أرى أسرارَهُ العميقةَ وهواجسَهُ التي تحطُّ بجلالةٍ لا مثيلَ لها على كتفي. أرى بعينيَّ وأتقصَّى بفضولي وأتلصّصُ كما لو من خلالِ كوّةٍ خفيٍّة ومهجورةٍ في الجدار. أرى من يضيعُ في حواراتِهِ الطويلةِ بينه وبين نفسِهِ. أرى من يستلقي معكوساً على سريرِهِ ويبدأ في السباحةِ ضدّ التيّار. أرى من ترقصُ على ساقٍ واحدةٍ وتدورُ، تدورُ كأنها تحفِرُ أرضيةَ الغرفةِ وأرى ينبوعاً يتفجَّرُ وموسيقى تلمَعُ في الهواء. أرى من تسقي نبتةً كأنها تُعيدُ للعالمِ معناه. أرى من يعزِفُ-وحيداً-مقطوعةً أسمعُ قليلَ ما يصلني منها وأتنبّؤ صداها الذي سيظلُّ يحيا معي. أرى وجهَ من يستعيدُ ذكرى خاطئة، ويدَ من يكتُبُ كأنها آخر وصاياه. أرى غريبينِ في فضاءِ المكان وبينهما شظايا. أرى قُبلاً تُطبَع على المرايا والصور، أرى كيفَ بدأت الأشياءُ وكيفَ انتهت. أرى العناقاتِ على البابِ، واللعنات والشتائم خلفه. أرى من يطردُ القلقَ بكتاب، ومن يطردُ كارثةً بنفخةٍ واحدة. أرى العالمَ مفضوحاً وأرى حيواتِ من فيه مصفوفةً أمامي. أرى ما تغيَّرَ وما جدَّ، كأنّي سأبتزّ العالمَ في أقصى حالات وحدتِهِ وعُريه. وأغلقُ النافذةَ، فأعودُ إلى قدميَّ المُعطّلتين وسرّ حياتيَ المجهول، ونبوءاتي وظنوني التي ستصيرُ حطباً تأكلهُ في داخليَ النار.
١٧
wonder boys
“نرسيسٌ عنيد ونوارس بيضاء”
أُغالب نرسيساً عنيداً في داخلي يضمُّ إلى صدرِهِ ديواناً لا أميّزُ الاسمَ ولا العنوان على غلافهِ ولا أتعرّفُ الأغنيةَ التي راح يدندنها. أغالبهُ كُلّما كتبتُ شيئاً تحتَ تأثيرِ موسيقى أو هذيانِ حمّى أو نسمةِ فجرٍ قريب، كُلّما استعرتُ رؤيةَ طرفٍ ثالثٍ ورابعٍ وإلى ما لا نهاية، أو أشعلتُ شمعةً في مُخيّلتي وأمامها بخشوعٍ كتبت. كلّما فتحتُ عيوني على أثرِ غائبٍ، أو صدّقتُ ببلاهةٍ نشوةَ أنّ هذه الفكرةَ جاءت لي وحدي من أبعد مكانٍ في العالم حتى تحطَّ بينَ يديّ كفراشة، أو خلتُ أنّ الابتداءَ بهكذا كلمة خطأٌ سافِرٌ وأنّ الانتهاءَ إليها خطيئة لا تُنسى، أو انتظرتُ الفكرةَ العبقريةَ الـ تتمنّعُ على التدوين. أُغالبُ نرسيساً عنيداً في داخلي كُلّما انتهيتُ من كتابةِ نصٍّ تتغيّرُ نظرتي إليهِ بعد ثانيتين من شعوري بأنّي الوصيُّ على هذه اللحظة الثمينة. أغالبُه حينَ يسبقني في نشرِ هذه القطعة الفريدة للعالم. ويهزمني في تحقيقِ أُمنيتي الكسلى في أن أدوِّنَ قطعةً واحدة طويلة تبدأ من طفولتي وتنتهي في آخرِ الأيّام. أقلّب أوراقها بينَ يديَّ للحظاتٍ، ثمّ أُلقيها من نافذتي المُطِلّة على البحر. تصيرُ نوارِسَ بيضاءَ تحلّقُ بعيداً بعيداً.
١٨
rounders
“مايك وبوّابةُ الخسارات”
في البدء، قبلَ أن تُرهِفَ السمع لأوّل لغةٍ منقوشةٍ على جدار. قبل ميلادِ أوّل عدوٍ شخصيّ وقبل خللٍ طارئ في سيرِ الحُلم. قبل عطلٍ أوليٍّ في سيّارةِ البيتِ، استيقظتْ فجأة بمزاجٍ لا يسمح. قبل أن تفهمَ العلاقةَ بين يدكَ النائمة ومسارها العبثيّ. قبل أوّل مرةٍ شعرتَ فيها”أنَّ قاطرةً على وشكِ أن تخرج من أحشائكَ”قبل أن تتدفأ بنارِ الخيانات وتنسى. قبل أوّل لسعةٍ في الأسنانِ أو الذاكرةِ ظننتَها مُزحة. قبل مرّةٍ يتيمة التقى فيها غريبانِ وافترقا دونَ سرٍّ أو ألمٍ غريب في الهواء. قبل أن تنسكبَ في مقهاكَ دونَ أن تُرى. قبل أن تتجرأ على العالم وتُطلق شتيمتكَ الأولى في قلبِ الغرفة ونوافِذُها مُشرّعة. قديماً قديماً، قبلَ أن تفقدَ نفسكَ وتنظر إلى الخلف فيتلاشى كل شيءٍ كان يتبعك. قبل المرةِ الأولى التي ملتَ فيها على جذعِ شجرة. قبلَ أوّل مرةٍ همَّ فيها”عصفوركَ الأزرق*”بالخروج. قبل أن ينفضك إدراككَ المتأخر، وقبلَ أن تستسلمَ لعدمِ فهمِ الحيلة بعد تكرارها. وقبل أن يخسرَ الإنسانُ الأوّل رهانهُ الأكبر أمامَ الحياة، كانَ مايك يجلسُ على طاولةٍ بمزاجٍ توّاقٍ للهرب وجُرحٍ بين عينيه، وكانَ يُقامرُ بحياتِهِ كلّها، للمرّة الثانية.
*”اقتباس من الفيلم”**”قصيدة لبوكوفسكي”
١٩
amores perros
“لحظةٌ وعصفوران في سماء”
أثمنُ ما لديّ هي هذه اللحظةُ في يدي. لكنّها ليست لحظتي وحدي. هي لحظةُ الحياةِ بقصصها الغرائبيّة، بشجَنِها وآلامها وهمومها وتعبها وقرفها وعُقدِها وجانبها المُعتم من كل شيء. بما لا يُستعَادُ منها بعد أن تمضي، وبها قبلَ أن تمضي حينَ تكونُ مفتوحةً على كلّ احتمال، وخفيفةً مثلَ معاطفِ النسيان. هي ذكرى طارئة تعبرُ في خاطرَين بعيدين. ورائحةٌ فاتنة تهبّ فجأةً على مكانين. هي الغريبُ في رؤيا، تلتقي بهِ بعد حياتين أو ثلاث. لحظةٌ موصولة بآلافِ اللحظات قبلها وبعدها، موسيقى تنقصها قفلة، ويدٌ تنقصها أخرى. لحظةٌ تترك أثَرَها. “لحظةٌ هي الأبديّةُ، كُلّها مكلفة*”لحظةٌ أشتركُ فيها مع العالم؛ حينَ يزرعني في قصةٍ لا أعرفُ أطرافها ولا نهايتها، وحين يضعني في مأزقٍ بلا أملِ خَلاص، وحين ينسى أن اللحظةَ لا تزالُ في يدي، لكنّي أتصوّرها في كل مرةٍ نقطةً لا مرئية في سماءٍ واسعةٍ وزرقاءَ كحُلم؛ يتقاطعُ عليها وفيها عصفورانِ عابرانِ يواصلُ كلٌّ منهما رحلتَهُ وعزفهُ المنفرد.
*”اقتباس من مراجعة لفيلمٍ ما”
٢٠
requiem for a dream
“موسيقى مرثية حلم”
كألف ألف قوسِ كمنجةٍ تحزّ وريدي. كأنها أشباحُ الماضي والخطايا التي تضمّني إلى ذكرياتها وراءَ ظهري. كأنها نعيُ الطبيعة المُتجدّد والصوتُ الذي ينادي من قرونٍ في قلبِ بئر والوجهُ الضبابيّ في حلم. أو حربي الأخيرة تقوم في مُخيّلتي وتوقظ جنودها وفخاخها. تقطّعاتها المُتكرِّرة تتصيّدني مثل نبضاتٍ طارئة. ودويّها المُربك يضمن لي نهايةَ العالم بعد لحظات. موسيقى ترافقني في ممراتٍ بلا نهاية وتبتكر مخاوفي وتنفضُ عن جلدي كل قشعريرةٍ غابرة. موسيقى تهوي طائراً جريحاً وتنقطع كآخرِ الأنفاس. سمعتها قبل أن أسمعها وتفرّستُها في الكوابيس وصباحات اليأس. وبقيتُ أسعى لها حتّى أذاقتني مرارتها. مُرعبة؟ مهيبة؟ ملحمية؟ شيطانية؟ موجةٌ منسيّة سيحينُ وقتها؟ ماذا أقول عن موسيقى، إذا كانت أقسى من صرخةٍ مكتومة تُطلقها تحتَ الماء؟*وماذا أفعل، إذا ظلّت ترنُّ في رأسي وأذنيّ بعد أن تكوّرتُ مثل جنينٍ ونمتُ في أمانِ الله!
*”مشهدٌ من الفيلم”
٢١
Three Billboards Outside Ebbing, Missouri
“ثلاثُ لوحاتٍ إعلانية خارج إيبينغ، ميزوري”
على الطريق الطويلة جريحان مسافران إلى آيداهو في رحلة وَجِلة متردّدة ولأنّ الأغنيةَ كعادتها ملاذُ الخائفين والطريقَ تهدهد وتحكم في الختام والشرودَ يضاعف الجهات، ينتهي الفيلم. بعد المأساة الرهيبة، وبعد الفكرة الطارئة والظبي الهارِب من فردوسِهِ يرعى في الخمائل*، وبعـدَ:”وتحسبُ سلمى لا نزالُ كعهدنا-بوادي الخُزامى أو على رسِّ أوعالِ” وبعد الحكمة الساخرة على لسان وودي هارلسون وانتظارِهِ الطويل ووصاياه العشر وحركته الوحيدة والأخيرة. وبعد الهطولِ السخيّ والأجساد المتهدّمة على الأرض الضيّقة والدمعة تومضُ في ظلام الشاشة السوداء أتوهّمها نجمة قصيّة تستنجدُ. وبعد اليأس واجترار الأمل وذهابِ الغريبِ الذي جاء غريبا ووحيدا ينتهي الفيلم على الطريقِ نفسها التي انطلقَ منها. خارجَ إيبينغ، ميزوري، وثلاثُ لوحاتٍ إعلانية منسيّة، على طريق لا يمرّها سوى المختلّ والتائه. والموسيقى تعدُ بأماكن لم نَرَها من قبل.
*”يا ظبية البانِ ترعى في خمائلِهِ-ليهنك اليوم أن القلبَ مرعاكِ. الشريف الرضيّ”*”البيت المذكور لامرئ القيس”*”Pretty songs and pretty placesPlaces that I’ve never seen”
٢٢
the devil all the time
“شيطانُ أبدِ الدهر”
الرأسُ غائبة في هذيانها. متعبةٌ تنوس في الاحتمالات أو تهيم في رجائها المُخلِّص. متدلّية على صدري مثل خطيئة. يدان خفيّة تبسطان الدربَ أمامي وأخرى تؤخرني دوما عن وثبة خارجَ الدائرة الأزلية. طريدُ التيه واللحظة الميؤوس منها. لي من السكون هذه الطريق المُهدهِدة تحت أقدامي ولي من النسيان أن أكونَ غيري؛ طفلا عنيدا، أو أبا تُعجِزه الحيلة، وخفيفا كأنّي أفتقدُ المكان. وعليّ، عليّ أن أرتاح لأؤجلَ الشقاء أو أغفل عنه. خدرٌ والجهات كلّها مثل صوت بعيد يدعوني. الرأس غائبة في سهوها والأغنية تهمسُ في أذني ولست أتذكر كيف ستنتهي، أعرفها الأغنية جناحُ العالم تُلقي بي بعيدا وتنساني هناك؛ أنا الأحجيةُ المهملة على جانبيّ الطريق، أشيرُ بيدي إلى سرابٍ، أو ذراعٍ ممدودة في حلم.
٢٣
unknown
“مجرمون وضحايا”
مجرمو النظرة الأولى في المرآة، وضحايا أختها. المُغيّبون عن اللحظة والهاربون من خطاياهم وأسمائهم. الحياديّون بصفحة بيضاء تلمع في البال، والبريئون من حاضرٍ ساخر بكلّ ما فيه. ينتظرون أيّ حَجَرٍ يُقذف في بحيرة الطفولة، أيّ شجرةٍ تتفرّع أغصانها في وجه السماء، أيّ اسمٍ يُنادون به من بعيد، عينين حنونة على البابِ تُحدِّق وتبتسم. الواقفون على البرزخ بلا ذكريات ولا رؤى ولا هلاوس، مؤرجحة أقدامهم وموعودونَ بوهمٍ ساخط. يتوسّلون الذاكرةَ فتمدّهم بصورة مشوّشة وتدفن أخرى كأنّ في يدها الطِوَل المُرخى. يتشوّفون في وجوههم غربةَ النسيان ويختلقون الماضي بحدائقه وروائحه وعناقاته وأمواجه ويذوبون في عالمٍ رماديّ من الجهل. المجرمون، لأنهم نزعوا الغلالةَ عن الوحوش في الداخل، وأطلقوا أيديهم الباطشة. والضحايا لأنهم نسوا كيف ضاعت حيواتهم، ولأنّهم في العيونِ الغريبةِ أودعوا أسرارهم.
٢٤
the best offer
“ضربة الفرشاة العشوائية”
السرّ في ضربة الفرشاة العشوائية. في لمسةِ النرجسيّ الصغير تختبئ مثل عيون العفاريت في الزوايا. في طيش لحظةٍ ينسى فيها المزيِّفُ نفسه أو يفقد السيطرةَ عليها ويترك أثرا طفيفا وراءه. في كُوَى الحيطان والصوت الخجول خلفها. في العين المُتلصّصة تتوق إلى المستحيل، في الأزهار المنتثرة مجمّدةً في الهواء والبال. السرُّ عرشكَ في غرفة الخلود، والغياب اللذيذ تحتَ النظرات الشاخصة منذ الأزل. في جسدكَ المُسجّى على الأرض وفي مطرِ أبي الطيّب:”أظمتني الدُنيا فلمّا جئتُها-مُستسقيا مَطَرت عليَّ مصائبا” السرُّ في الحيلة التي انطلتْ على سيّد الحيَل، وفي سيزيف المذهول واقفا وسط الجدران العارية وصخرةٌ يحملها بين يديه.
٢٥
the man from earth
“الخلود ورجلٌ من هذه الأرض”
من قبل أن يغرقَ العالم في الاستعارات. من قبل اللحظة التي تكرّر نفسها موصولة بآلاف اللحظات قبلها وبعدها. والمستقبل الذي سيجيء بعدَ ومضة والماضي الدؤوب على اصطياد ضحاياه. من قبل أن يقف الشاعر على الأطلال ويرثي نفسهمقيمٌ ما أقامَ عسيبُقبل وَتَرين جُمعا وصار الشَدو لغةً تحفظها الأصابع. من قبل أن يُعلّقوا العنقاءَ في لوحة أو بيت شعرٍ وينتظروا احتراقها. وقبل أنعمِ رفّة جناحٍ لفراشة خدّرت الهواء ونبّهت إعصارا في بلاد لا تبلغها الطائرات ولا الأحلام. قبل استئناسِ الأوّل برؤية طائرٍ وتشاؤمه من صراخ آخر. قبل انتصاب الشجرة المعمّرة لا تزال تسمو وتستجيب لغواية النسيم. ومن قبل أن يُنيخوا العيسَ ليُحمّلوها رُحّلا وسُراة، ويضربوا حجرا بحجر ليشعلوا نارا أو حكاية. من قبل أن يولدَ الحكماء والفلاسفة والأباطرة، وتُبنى السدود وتلفظ الأرضُ مُدنَها الأسطورية. وقبل أن يتفرّسوا في الوجوه ويُسمّوا النجومَ ويقصّوا الأثر ويقرأوا الطالع ويتبعوا الأنهار. وقبل أن ينقشوا على صخر ويخلطوا بين المرايا والبحيرات. من وراء الملاحم والمجاعات والعصور الذائبة والهزّات والجبال والسهول والظنون؛ جئتَ، من هناك، مسربلا بخطيئتكَ البريئة حاملا في عينيك هذه الطعنةَ النافذة والحكمةَ الخام:”ليسَ ثمّة ما هو أكثرُ إثارةً للضجرِ من الخلود” وعِشتَ، طويلا.
*”مقيمٌ ما أقام عسيبُ/ امرؤ القيس”
*”الاقتباسة لبوكوفسكي”