
سأعرف الأزرقَ في نصف الكأس المليان، في أثر الغائب الذي لا يُعوّض غيابه أحد، في الأمل الذي أبعدني أكثر مما قرّبني، في الاحتمال والممكن، في مداخل الصباح ومخارج الليل، في السيل المتدفّق من الصورِ في رأسي حين تفاجئني ذكرياتٌ ضبابية عن أبي، في النداءات والزوايا والهواجس، في اللحظات التي شيئا فشيئا ومع العمر تفقدُ تأثيرها ومرونتها في المجيء، في النوايا السليمة التي دون قصدٍ أخطأتْ، أو الخُطى التي زلّتْ عن القصدِ وما عذرها أحد، في خفقة الحلم والشوارع الجانبية التي تغذّي المسافةَ بالمزيد من المسافة، في ضحكة ناعمة أنعشتْ روحي ذات نهار ولا تزالُ، بصداها وبذكراها، في انتشار العطرِ الذي فجأة نسف بي إلى هذا البقعة من العالم وذكّرني بأشياءَ لا تُفسّر وبوجوهٍ لا أعرف لها اسما، في الأسماء التي ما إنْ تُطلّ في بالي حتّى أهوي في مكاني أو أصعد نحو أعلى غريب، في غموضِ القصص التي ما وعدتني بشيء ولا سألتها شيئا، في باب البيت القديمِ، في أغصانِ الشجرةِ وهي تعرّش على الحيطان، في ظلالي على الأرض حيث أتجمّد في مكاني وأُمعن النظر نحوها عسى أنْ تهبطَ إشارةٌ أو تتدلّى من المجهولِ كلمةٌ أو صرخةٌ، ولا شيء، سأعرفُ الأزرق وأراه، في ما يتوارى مهما ألححتُ، في ما يجيءُ بعد أن أنساه، وما يغيب بعد أن أتمسك به بكل ما عندي وما ليس عندي، سأعرفه في بيتِ عاشقٍ وفي طعنةِ نجلاء وفي سماء متوثّبٍ وفي نفسِ كريمٍ وفي ليلٍ كموجِ البحر، وفي حكمة النبع، وفي نفسي، عندما تنطفئ الألوانُ ويصخب اليأسُ وتجفّ المواعيد، ويفقدُ كل ما سعيتُ لأجلهِ -وإنْ صار تحت عينيّ وبين يديّ- معناهُ القديمَ الجليل