
يلمعون في مقدمة رأسي عندما أُغمض عيني أو عندما أفتحها على اتساعها راغبا في رؤية الأقل، ألا يختفي معنى كل شيء فرداني وسط الحشود كما تتلاشى قيمة الصوت الغِرّيد في زحمة الأصوات وجلبة النداءات المتداخلة والصخب؟ يلمعون، تضيء صورهم، طيوفهم الباقية إذْ تتشكّل حسب التخمينات والافتراضات ولا يقين يؤكدها، أولئك الذين لطالما تمنّيناهم في المكان الخالي في زاوية المجلس، الذين حدسنا أنْ ستطيب لهم هذه الحكايا العشوائية في السيارة المسافرة وهي تشقّ عتمة الليل، والذين نفتقدهم في رحلة لم يُخطّط لها، ومشاوير طارئة لم نحسب لها حسابا، الذين ننتبه لضحكتهم الناقصة في كرنفالات الأفراح، ونتنبأ بذوقهم واختياراتهم وأغانيهم في المكان، الذين نحفظ لهم ما يحبّون ونشعل لهم السراج ونترك لهم الأبواب مفتوحة فلا يجيئون، البعيدون فلا يقبض عليهم خيال، والنائون كم تنوشهم احتمالاتنا الهوائية وسيناريوهاتنا العبقرية البهيجة ولا تضعهم أبدا في خانة الأكيد، ولا تقرّبهم من فراديس الطمأنينة، إلى متى يا ترى سيحكمون هذا المكان الخاص في الذاكرة؟ وحتّى متى يثيرون هذه النبضة المتوتّرة في القلب؟ وإلى متى سيبقون في برزخ الشكّ؟ أحياءً، وأمواتا، سالينَ أو تطرق ذكرياتنا بالهم مثل مطر خفيف؟ وما الذي بإمكان الكلمات أن تقول إذا التقينا بهم؟، أولئك الذين لن نلتقي بهم أبدا، والله المستعان.