
الحديث عن العم حسين يشبه إلى حد كبير الحديث عن ذكرى لا نعرف على وجه اليقين أنها حدثت ولن نكون متأكدين أنها هناك مهما ألححنا عليها، الكلام عنها لا يقدّم ولا يؤخر، لكن يُستأنس به رغم أنّه ما من سبيل إلى التحقق من صحته وربما هذا وحده ما يجعل الذكرى مثيرة للاهتمام؛ مثل وجه صاحبي هذا الذي يطفر فجأة في الأعياد من وراء كل مكان ولا مكان فيعيد لي هاجس الاسم وذكرى المشهد الوحيد من الطفولة حين دفعني أبي للسلام على عمي حسين ومعايدته والذي لم أره بعد ذلك اليوم ولم يره غيري على حدّ علمي، لكنهم لا شكّ مثلي قد سمعوا عنه عشرات المرات فالحكايا عنه غزيرة، ويقولون أنّ الغربة قد أحاطته بسياجها، ومن النظرة على وجوه الرواة يبدو أنهم لا يقولون ذلك مجازا. لن نعرف البلدان التي زارها العم حسين وتنقل فيها مرغما أو مختارا ولن نخونه في الغيب ونفتري على سيرته ما ليس منها، لكن يكفينا القول أن مصيره مجهول إلى حد اللحظة وكلما ترحّم أحدنا عليه استدركنا وقلنا أن “الرحمة تجوز على الحي والميت” هذا الشيخ النحيل جدا لم يقبض على صورته أو خياله إلا أبا الطيب في مبالغته الغرائبية فهو الرجل ذاته الذي لولا مخاطبته إياك لعميَ عنه بصرك وغاب في البرزخ الفاصل بين الوجود والعدم، وكفى بجسمه نحولا يُنبيك عن خفّته في ذواكرنا وذاكرة الزمن. اليوم بعد ثمانية عشر سنة من الغياب؛ وجدته واقفا على الباب وعلى الموعد، وقد عرفني رغم أني تغيرت كثيرا، وعرفته ولم يتغيّر قط وكأننا توادعنا قبل لحظات، وكل حكاياتنا المرصوفة وظنوننا المربكة حوله وتوقعاتنا اليائسة والمحبطة كأنها ما عبرتْ هذا الوجه الباسم، لكن ماذا عن القلب والذاكرة؟ لا أدري، ولعلّي لن أدري أبدا، والله المستعان.