مِـعطفُ غوغل

وأنا أقرأ روايةَ الحرافيش هذه الأيام وأعتذر لنفسي على تقصيرها وتأخرها الدائم عن العثور على نقطة بدايةٍ داخل هذه السنوات الضبابية. لكنّي وخلال لحظات أغفرُ لها بحنانِ أمٍّ، حينَ أتذكّر دوّامةَ الفوضى والعبث تحوم حولي. مدوّناً في رأسي بضع كلماتٍ لم أفهمها خارجَ السياق ولا داخله. وحتى بعد أن صرّفتها وقلّبتها في ثلاث لهجاتٍ وفتّشتُ عنها في حكمِ أمّي وأمثالها وأشعارها القديمةِ حين يوقظها موقفٌ أو مصيبةٌ، رأيتُ فيما أرى، أن الكلمةَ التالية ينتظرُها استجوابٌ طويل. وها هي ذي الكلمة سُرعانَ ما ستأتي، بعد صفحات قليلة. أنقلها إلى محرّك بحث قوقل، وبعدَ جهدٍ مُضنٍ، وبحث استغرقَ ثلاثين ثانية، أجدُ المعنى عارياً أمامي؛ كأني فتحتُ كوّةً في جدار. وأرى الكلمةَ تتوسّطُ عبارة قصيرة وأراها في كامل أشكالها ورسوماتها فأتعرّف إليها، وأترحّم على عاشور الناجي، إذ أسمعهُ يرددها وهو يمشي في قلبِ الحارةِ المعتمة، والأرضُ من تحت أقدامه تهتزّ. ثمّ أعودُ إلى الرواية، ولكن قبلَ ذاك تسقطُ في يدي كلمةٌ أخرى لم أرها من قبلُ ولا حتى سمعتها. أبحث عنها بدل كلمتي الأولى، فإذا هي اسمٌ لطائر! لا شكّ أني-بفضولي القذر-أخرجته من السرب، لكن بلا ندم وبفضولٍ أنانيّ مرّة أخرى، أضع الكلمة في محرّك بحث الصور، وأتأمل طائري. بريشه الأسود الكثيف، وساقيه المغروسةِ في الأرض كأعمدة معبد، ووجهه المزهوّ بألوانه الساحرة. وأسامح نفسي حينَ تخيّلتهُ محلّقاً في سرب؛ بعد أن رأيتُ جسده الهابط على الأرضِ كما لو أنه جثّة. الطائر الذي صُعقتُ بعدَ لحظاتٍ بخبرٍ يقول أنّه المتهم الأول والوحيد في جريمةِ قتل مالكه في ولاية فلوريدا، وبسلاحٍ موصولٍ إلى جسده”مخلب”. قلتُ في نفسي بعد أن انشغلتُ بهذه القضية الغريبة، لعلَّ الملحمةَ تنتظر. ورحت أبحثُ عن أخطر الطيور، علّي أتعلّم اليوم شيئاً جديداً عن العالم بعد ألف يومٍ ويوم من الجهل. فتعطّفَ عليّ قوقل واستخرجَ على صفحته الرئيسية قائمةً مُشذّبة لستة طيور. فرأيتُ صاحبي يتصدّر القائمة، إلّا أنه الآن قد صارَ له اسمٌ جديد، اسمٌ آخر. اسمٌ يبدو مناسباً أكثر، ويرسم له في الخيال صورةً أشرَس. نقلتُ هذا الاسم إلى خانة البحث أملاً في الوقوع على جانبٍ من حياة هذا الكائن. فصارت تحتَ يدي هذه السيرةُ المُهيبة، للطائرِ الأكثر خُبثاً في العالم. يدّعي ناشرُ السيرة أنّ هذا الكائن الخجول حينَ رصدتهُ الكاميرات، عندما يصطاد، فهو يخرجُ من لا مكان، هادئاً وساكناً، ينقضُّ على ضحيته ثمّ يختفي، هكذا، فجأة. بدا لي وجهُ”كايزر سوزيه”ظاهراً وواضحاً في ثنايا هذا الاستراتيجية العبقرية. ضربةٌ واحدة، ثمّ لا شيء. بعد ذلك من باب الإنصاف قرأتُ سيَر الخمسة طيور المتبقّية حتى لا تفهمَ معاذ الله أني أستهينُ بها وأركّز على الرأس الأكبر. وفيما أتصفّح سيرةَ الطائر الذي هزم أستراليا وجيشها. يُشير الناشرُ إلى الحادثة باعتبارها واحدة من الفقاعات الاستثمارية ويُعيد قراءة التاريخ للحادثة منذ بداياتها. المهم أنه يُلمّح إلى حادثة أخرى شبيهة. فقاعة “التوليب”هكذا دعاها. حادثةُ جنون التوليب في القرن السابع عشر. أقرأ المنشور وأتذكر أني سمعتُ عن شيء كهذا من قبل، أتذكّر، وأقرأ، والعكس صحيح. ثم أتذكّر مشاهدتي لفيلمٍ يحكي عن الحادثة نفسها. ولا يحضرني اسمه، أفتحُ صفحة جديدة على قوقل، وأكتب “tulip” فيقترحُ عليّ اسمَ الفيلم وممثّليه وعلاقاتهم الشخصية وتواريخ ميلادهم وأعمالهم الاستثنائية ويعرض لي صوراً خاصة ومسرّبة من جديد فضائحم، ثمّ أستدركُ نفسي. آخذُ نَفَساً، وأغلقُ تبويبات المتصفح اللا نهائية، أطلقُ طيوري في المدى، وتنفجرُ رائحةٌ في الهواء لا أميّزها، أخمّن أنها توليب، أسمعُ صوتَ بكر سليمان شمس الدين عاشور الناجي اليائس، وأدوّن في هاتفي ملاحظة قصيرة، شهادةَ امتنانٍ أبديّ، هكذا:
كلنا خرجنا من معطفِ Google.

*”كلنا خرجنا من معطف غوغول”: عبارة شهيرة تُنسب لدوستويفسكي ولغيره عن قصة المعطف للأديب الروسي: نيقولاي غوغول.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ