
٧
هو ذاك القليل من الحكايا والصور والضحكات الساخرة والمقيدة بلحظاتها البعيدة، ذاك النادر من الوجوه المهملة والمطوية في الذاكرة المتّقدةِ فجأة في اللحظات الميتة والعابرة أستردّه من الغياب فيكون، أنساه فلا يبقى منه غير ذلك الأثر الطفيف الموشك في كل لحظة على التلاشي والتفاصيلَ إذ تنتظر أوان استنطاقها والبحث في خفاياها. كأن أرفعَ مقاماته الامّحاءَ، كأنه سمّى ما امتنع أبو الطيب عن تسميته “يقولون لي ما أنت في كل بلدة/وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسْمَى” فقالَ: العدم. نمشي في مسار متفق عليه دورتان حول الحارة ثم نفترق، نمشي والقصد هباء نساير كل منعطف في الحارة ويستغرق كل منا في هواجسه لفترات مطولة دون كلمة ولا نأمة، خفيفان كأن زمن الكلام انتهى والحاجة إليه انقطعت، نقاوم رغبة غامضة تجرنا منذ الأزل نحو البيت حتى نخضع أخيرا ونستجيب، وبنغمة ناشزة لأن الكلمة استثناء والمدى سكون:”بكرا إن شاء الله؟” أردّ:”بكرا إن شاء الله” أتذكر هذا وأنا أمام البيت القديم، نظرة ساهية نبّهتني من غفلتي نحو ظل الشجرة القصية حيث كان يختفي عند المنعطف قبل سنوات وفي بالي تنهال عبارة لصاحبي يختتم بها حكايا الأصدقاء في عام النهايات: “وسارَ مبتعدا واختفى في كلّ مكان*” أدير المفتاح وأنطلق، أمامي أربعين كيلو للعودة وبضع هواجس لأبددها في الطريق وعمرا نذرته للمشاوير والتطواف.