
٦
يبعث لي برسالة صوتية بعد سنتين من الغياب والانقطاع فأحسبُ نفسي إذ أتظاهر بالانشغال عن سماعها أني أؤخر سرورا غامرا لا يسعني تحمله وأقول في خيالي لعلّ الغربةَ ألانته كما ألانتني ربما اختار أخيرا أن يقول شيئا جديدا؛ شيئا لم يطق أن يخفيه في ثنايا حفيف الكلام والصمت الممتد والبسمة الساخرة ولمّا يفضي بي الفضول إلى هذا المنعطف من العالم وإلى ذروة الطفوِ والسكينة وأجدني قد استنزفتُ أعذاري يجيء صوته من أقصى الدنيا بلا مقدمات ولا سلامات يسألني عن بيت شعر كنت أطريته ذات مرة على حد تعبيره ثم يسترسل ولمدة دقيقتين في التوصيف والمقاربة ومحاولة استدراج كلمة إلى الظهور وما مِن كلمة. أستسلم لتفطّنه ذاك وأقرر أن أضيّع ليلتي تلك-ولمَ لا-في البحث عن البيت المنشود. وبعد عشرات الصفحات والأساليب المختلفة في طرق البحث واستنطاق الذاكرة أجد البيتَ دونما سبيل إلى معرفة النهج وأي ممر أوصلني إليه. حينها أفكر في أن أعلّقه لسنتين أُخريات ولكني أنا النصف نائم بأجفان كسلى من الإجهاد غير الضروري لا يخطر ببالي مما يناسب الحالة غير:”وقالت وعضّت بالبنان فضحتني-(وأنتَ امرؤ ميسور أمرِكَ أعسرُ)”أختار أن أزهدَ في فرصتي وأعفيه من التعلق. أبعثُ له أخيرا ببيت القصيد مقرونا باسم صاحبه حتى إذا نسيه لم ينس شاعره، فإذا هو أبو العلاء، عندها لا أندم على ما ضاع من عمري؛ لأن ما ضاع وما لم يضِع عندي وعند صاحبي رهينِ المحبسين سيّان، والله المستعان.