
سقى الله حوش بيت أبي القديم، سقى الله الأصيل ذات يوم غائر في القدم حتّى كأني اختلقته من عدم أو تطفلت على ذكرى لم تكن لي، سقى الله خيالَ يد محمد وهي تمدّ هاتفا نحو أذني وصوته إذ يقول: بالله عليك تسمع. سقى الله زمان خشوعي في إرهاف السمع وسقى الله صوت هيفاء تغني: “كيف أنا بقوى عذابك؟ لا صار في بعدك عذاب وفي قربك عذاب” لم يفتح عينيّ أحد على جمال مبهم مثله ثم يتركني أسيرَ عمائي معلقا مع ذكرى لا تنضب، لم نتحدث عنها أبدا أعني هذه اللحظة المعلقة في الفراغ ولا هيفاء وما كنتُ أحسب حينها أن صوتا ما جدير بخلود كهذا. لم أكن الطفلَ تماما، ولا كنت أكبر من الطفل ذاته، لكنّ قلبي خفّ وقتها وأخرسني خجلي عن سؤال أو إثارة بحيرة حكاياه الغرامية باستنطاق متلهف أو تصرف أبله واخترت أن أسكت. ومع ذلك ما زلت بعد سنين أطمع أن نجلس أنا وهو في مقهى مدينة غريبة علينا أو غرباء عنها ويروي لي تلك التفصيلة الساقطة من كتاب السيرة ويخلصني من هوس الرعاية ومازوخية الاعتناء. كلما جنحت الشمس جهة المغيب أو رأيتُ شجرة تزحف أغصانها على حائط أو ذكرني باب موارب بترف الحوش والمساحات الرحبة أو طرأ على بالي محمد أو اسمه أومضتْ في بالي هذه اللحظة الفاتنة وإذا ما اقتربتُ منها لم أجد شيئا ولا أثرا ولا لوم ما دام أن:”عادة الظبي يجفل لا تحرك ظلاله”