
لا بدّ من مشهد يتراءَى أثناء إغماضةِ العين؛ خيالٍ قديم جارفٍ أو هاجسٍ يتدلّى وصوتٍ غنائيّ يصدح مطر مطر والظبا على مدّ النظرِ الخاوي جافلةً تدوّر مَكنّة. لا بدّ من صورةٍ أولى للغياب وراحةِ يدٍ تهبطُ على جبينِ محموم أو تنشر الغسيل على حبلٍ يصلُ بين دولتين اغتربتُ فيهما صغيرا بين خيالِ الحالمِ وأحلام الخيال. لا بدّ من وقفةِ أبي عند الباب وراءَهُ شمسُ المغيبِ كأنّ يدا لحظتها وضعته هناك؛ في يده كيس وتكاد شماغه أن تسقطَ عن رأسه. أو صورته وهو يمدّ ساقيه في مجلسهِ ويحكي حكايته تلك للمرّة الألف فأسمعها ليس للمرّة الأولى بل للمرة الألف. لا بدّ من موجةٍ تغمرُ محْجَري عيني. لا بدّ من ضبابٍ يطوي شيئا وكفٍّ تخبئ فراشةَ البشائر ولغةٍ تبوح بأسرارها. لا بدّ مـن ذكرى أخّرها الوقتُ أو خبأتها الأيام للحظة لن تكونَ كهذه. لا بدّ من أزرقٍ يهطُلُ وبيتِ شعرٍ يتعرّى. لا بدّ من وقوفٍ على طلل أو تحتَ مطرٍ صيفيّ. لا بدّ من رؤية بانورامية تطمئنُ على الطفولة. لا بدّ من فكرة لم أستجلِها ولم أردمها بعدُ. لا بدّ من طفوٍ مرهفٍ وتخلٍّ خجول. لا بدّ من عينين جريئتين وشغب فضوليّ. لا بدّ من صورة خادِرة في الظلام. لا بدّ من حياةٍ هنالكَ تتوهّج في الخفاءِ وتنتهي ببطء جليلٍ مثل قفلة، مثلَ طائرٍ جريحٍ هَوَى من عليائه.