
أكتبُ عن أوّلِ عاصفة في البالِ وأوّل حُلمٍ أهملَ محوَ بقاياه، أكتب عن فتاة بذراعٍ هذّبتها الرِقّةُ وراحةِ كفٍّ تشغل دور الأصيص؛ رأيتُها مرّة في الخيالاتِ مستحيلةِ البلوغ ونسيتها هناك. أكتب عن خلافٍ ودّي مع الضجر، عن نُكتةٍ لا يزالُ صداها يرنُّ في صالةِ البيت. عن فكرةٍ كان الأجدر بي أن أتجاهلها، وأخرى كان المفترض لها أن تتجاهلني. أكتب عن المطر، تحت المطر، مع المطر. عن النوايا التي لم تبلغها المخالبُ ولم تروّعها الكوابيس. عن يدين تفتح نافذة الروح، عن فراشات التباشير وقصاصات الأدراج. عن جلمات تنباگ من فوگ الشفايف*، عن الزاوية الأشدّ ظلمة في الغرفة، عن الطفولة الساخرة وكل ما يهيّجها ويُطفئها، عن الخَدَر شيطانِ التفاصيل الصغيرة. عن بابٍ وحدي أعرف ما خلفَه، عن مآلٍ مُتخيّل وموسيقى تُديرها يدٌ خفيّة. أكتب عن الأرصفة التي عدت منها، والتي تركت فيها أشباهي. عن نشوة الإحساس بالرضا المفاجئ ونقمة متابعة الغروب نهاية كلّ نهار. عن تفاصيل هامشيّة في الأفلام والأحلام. أكتب عن رأس مُطرقة، وعرَجَ في قدمٍ يُمنى، ونهاية قابلة للإضافات والاحتمالات. عن صمت مُستنزِفٍ خلف مقود سيّارة على طريق لا تُرى نهايته. عن العالم الذي رأيته أوّل مرة، وعن رؤايَ عنه بعد ذلك. عن السأم الخافت في الشرايين. عن حيرة غربة ولدتْ معي وسأموت قبلها. عن الانتظار والاحتضار والفرق الطفيف بينهما. عن شعراء شكّوا في العالم، “كأن العالمَ كان هكذا منذُ بدءِ الخليقةِ”*، أكتب عن أشياء أحبّها جدّاً حتى مع الوقت أحبّها أقل. عن المزاج المثاليّ والعاداتِ السيئة، عن طفح النهاراتِ على الأجساد. عن الجمال الذي لا يُمسّ. عن تبديد الوقت في المقهى، عن تبديد الوقت في كتابةِ أشياء لا يُمكن بروزتها. عن الغرف السرّية والمدن الفاضلة. عن الأغنيات هدايا المنعطفات الخجولة. عن الحياة المتورّطة بالتبرير، عن الماضي الشفيف بين ما يستحيل حدوثه وما حدث كومضة خاطفة تحرّضني على الشكّ في صحّتي العقلية. أكتب عن حاجتي للتكرار ويأسي من التكرار. أكتب عنّي حين لا أودّ أن أقول شيئاً، وعن ظلالي حين أرغب في الحديث. عن الجوع للحياة والخجلِ من اقترافها. أكتب عن روحي الكسولة حين لا تستغرب شيئاً. عن العُربَة في صوت المغنّي. عن البلادةِ التي تستيقظُ معي. عن التشظّي الدؤوب لذكرى الآباء. أكتب عن الحيلة الوحيدة التي تبقيني معي. أكتب عن أشياء يطاردها خيالي كلعنة. عن المرونة في النسيان، والأسى في شرح فكرة مرونة النسيان. أكتب عن ندم متجّذرٍ وثابت. وعن فضولي الذي أختفي معه حين يُمَسّ. وعن ثقة النّاس فيما يعرفون. أكتب عن افتقادي لكلّ ما يجعلني مشغولاً عني بحقّ. عن الطيف الحالم الذي يتبدّى في الخيال وتحتجزه الدموع. أكتبُ عن لحظاتٍ باردة وبعيدة لا تطرقُ الهاجسَ إلا خدِراً تحت ماء فاترٍ وعينين تأملان خلال إغماضتهما أن تُفتَحَا على لا شيء.
*يا حريمة-حسين نعمة.
*اقتباسة لسرگون بولص.