
ليت الفتى لم يُرهِف السمع لأوّل لغة منقوشة على جدار وأول حجرٍ يمسّ صفحةَ الماء. ليت الفتى لم يحدق طويلا في انعكاسه على سطح البحيرة ويستعذب الغرق، ليته لم يستدلّ بالنجوم ويقصّ الأثر ولم يقرأ الطالع ولم يقف على طلل ولم يختبر السُرى ليلا ويبلغ المثلَ الخالد عند الصباح. ليته لم يرِقّ لنظرة معذَّبة ولم يجتذب خصرا ولم يألف وجها ولم يتلقّف إشارة وليته إذ طوى البلاد طواها ولم يعد ولم يحلم بالعودة.ليت الفتى حين مالَ على شجرة لم تستنهضه رغبة ولم ينبّه حنين. ليته لم يعِد أحدا وصدّق حكمةَ الخَدَر وغاب. ليته حين وقف على شفا الأشياء رأى المعنى الخفيّ وتسمّر مكانه. ليت الفتى لم تحرّكه التغاريد ولم يستفزّه الخلود ولم يبصر في الليالي نارا أو في المفازة سرابا ولم يتبع الظنّ أو يسحله الأمل. ليت الفتى لم يقُل:”متذكّرٍ في مرقبي وش جرالي-وصفقت بالكفّين ياسٍ على ياس” ليته لم يدوّن رؤاه والتفاصيل والسيَر ولم يدندن لحنا مألوفا أو يحتفظ بسرّ ولم يستجب لغواية الخطايا ووساوس الفراغ. ليته لم يبالغ في المحبّة ولم يُفرِط في حقده ولم يفتح عينيه حين سمعَ النداءات المتعطّشة وليته ظلّ واقفا على العتبات وما عوّل على أحد ولم يخبئ أحدا للأيّام وما انتظر أكثر من قطرة مطر. ليت الفتى لم يتنبأ مصيره ولم يقلّب الحكمةَ بين يديه حتى جفّت ولم يصدّق البشائر ولم تبحث يداه في غرقها عن يدين. ليت الفتى حجرٌ … لم يذب في معنى أو يستميت لأجل فكرة أو هاجس. ليته حجرٌ فحسب.