
|
بين عينيّ مثل نارِ احتمالات لا تنطفئ_تُذكيها الارتجالات العبقريّة والعوالم السرّية في الأعماق_الفتى بصوته الرخيم ونظرته الخجولة ولزماتِه وعاداته الطائشة يحوم حول عذاباته مثل فراشة ويبدأ الخدعةَ لأنه يعرف جيدا كيف ينهيها. الخبيث بلا دوافع، والبريء براءةَ الذئب. يقترب كثيرا بابتساماته الحادة من الخطوط الحمراء كما يعاودُ السفّاحون أماكن جرائمهم، وينتقم لنفسه بالانتقال الغرائبيّ بين الشخوصِ وضمائرها وقصصها. متأهبٌ للاصطياد، ومرتجف تارة أخرى كيدٍ أُفلتت تحت ظلام الليل. مُستعيرا الحكمةَ الخفيّة وراء (رُبما) أو مستريحا لعلّه في بِركة تناقضاته وزِحام النِعم والوجوه. الهزيلُ أحيانا يُجري على صورته ولسانه:”أنا الرجلُ الضّرب الذي تعرفونه-خشاشٌ كرأسِ الحيّة المتوقِّدِ” والغريب عادة أمام المرايا والأبواب التي غُيّرت أقفالها. يثبّت قدميه على الحافة ويعلّقني هناك مُجيلا بصري في عالمٍ ينهار وحكاية ببطء تختفي عن العيون وتزنّ في البال. يطوف بي كما تطوف بي رأسيَ الليالي متعقّبةً نغمة ضائعة، ويتأنّى في حديثه كأنه ينخلُ الكلمات ويُخبئ في ثناياها ضحكةَ العفاريت. إدوارد نورتن، الاسم الوهمي لصديق تخيُّلي غابَ الآن عن ناظري، وذكّرني كيف كان دوما ولا يزال:”يروغُ منّي كما يروغُ الثعلبُ”
||
العيون الماكرة بشَقّها العمودي في الأحداق؛ كأنها مضيق، بحيرةٌ في اللامكان أو كوّة، باب سرّي تباعد بين مصراعيه يدان. تخدع، وتتروّى، تترقّب وتهزّ وترَ الخوف. وتستلذّ ببطئها الأزليّ، في حركتها واختلاسها. تنتهي إلى عمقها كل الأعاصير والأسراب ويستقرّ في حدودها كل غائب ومنفيّ. العيون الساقطة على ظلالي وهواجسي مثل مُديَة نافذة، جرح يتّسع في العدم بتأنٍ مفرط. تنتظر فحسب، وتعدّ نفسها للوثبة الأخيرة. معلّقة بين الشك واليقين في المرايا، ومُطلّة من أبعد الرؤى، ولائذة بكلّ عتمة. تختال وتتبصّر في عمائها، وتمد حبل غوايتها. على صفحتها سكون يشي بقادم العواصف وفي سوادها نداء من غور بئر. العيون التي تراوغ قبل الأقدام، وتستشرف الخطى القادمة، تستفزّ وتصفّق، وتبتسم، بخبث من وراء القضبان الحديدية في مشهدٍ ختاميّ.
|||
آرون الصبيُّ منشد التراتيل الدينية القاتلُ في بدايةِ الأمر والبريء وسط الحكاية والمجنون الغامض قريباً من النهاية هكذا تقاطعتْ حياتي مع حياة إدوارد نورتن لأول مرّة في فيلمِ”الفزعِ البدائيprimal fear” وهكذا أيضاً عرفتُ أني سأصدّقُ هذا الصبيّ وأستأمنهُ على عقلي كلما شاء. هذه البراءةُ المحضة بلا أدنى مجهود والعتمة المحبوسة خلف هاته العينين. نورتن كما أسميتُهُ الكائنَ البرزخيّ. رجلُ الحيرة والتباين. في كل أدواره التي شاهدتُها فيما بعد كان يعتاشُ فيها على التفصيلة الصغيرة. هذه الازدواجيّة في الشخصية، الخيط الرفيع بين الحُلُم واليَقظة كما في فيلمه الشهير”نادي القتالfight clup”أو بينَ العينين الفاسقة والصارخة الحزينة وهي ترشحُ دمعاً وأسفاً في فيلمه”التاريخ الأمريكيamerican history x”وإن لم يكُن هذا جليّاً في الأخير إلا أنه دائماً ما يكونُ مُتأرجحاً في جسده ودواخله، فيما هو عليه وما سيكونه. تنقّلٌ أزليّ بين حالين. حال الأول مُطمئناً في جسدهِ وحال الغريب الذي سيكون ضيفه بقيّة العمر. وحتى في فيلمه”الهدف the score”كنت أنتظرُ خدعته القادمة، التغيّرَ الذي سيقلب الطاولة ويُحيى مجدَ روي القديم. يُخيّل لي أن نورتن سيستيقظُ صباحَ ذات يوم ويقفُ في المطبخ مذهولاً لأنه لم يعد يتذكّر كيف كان يحبّ قهوته؛ بالحليب؟ أو سوداءَ كالكدمات التي تتركها النوادي السرّية على الجسد والذاكرة.