
مجرمو النظرة الأولى في المرآة، وضحايا أختها. المُغيّبون عن اللحظة والهاربون من خطاياهم وأسمائهم. الحياديّون بصفحة بيضاء تلمع في البال، والبريئون من حاضرٍ ساخر بكلّ ما فيه. ينتظرون أيّ حَجَرٍ يُقذف في بحيرة الطفولة، أيّ شجرةٍ تتفرّع أغصانها في وجه السماء، أيّ اسمٍ يُنادون به من بعيد، عينين حنونة على البابِ تُحدِّق وتبتسم. الواقفون على البرزخ بلا ذكريات ولا رؤى ولا هلاوس، مؤرجحة أقدامهم وموعودونَ بوهمٍ ساخط. يتوسّلون الذاكرةَ فتمدّهم بصورة مشوّشة وتدفن أخرى كأنّ في يدها الطِوَل المُرخى. يتشوّفون في وجوههم غربةَ النسيان ويختلقون الماضي بحدائقه وروائحه وعناقاته وأمواجه ويذوبون في عالمٍ رماديّ من الجهل. المجرمون، لأنهم نزعوا الغلالةَ عن الوحوش في الداخل، وأطلقوا أيديهم الباطشة. والضحايا لأنهم نسوا كيف ضاعت حيواتهم، ولأنّهم في العيونِ الغريبةِ أودعوا أسرارهم.