
|
كل شيء ثابتٌ أمام عينيّ المغمضة. الصورة المُخبأة أسفل السجّادة. النهرُ في لوحة على الجدار. الخصلةُ العابثة في المُخيّلة. الضوء المرتجف يتأرجح بين حالين وتصطاده نظرتي المحلّقة فيختار جانبا ويسكنُ. صفحات الديوان المتتابعة مثل موجٍ غامر ترفعها قَنَا المتنبّي عاليا وتتطاير في الفضاء. الأغنية الصادحة تتروّى وتطول آهاتها النادمة. الندامى والعفاريت أبناء الزوايا والحكايا السرّية. الوصايا الشجيّة والمنافي والأوطان ولحظةٌ كدتُ أنساها في صباح بعيد. غبار خامد على الرفوف؛ شاهدٌ على الصبيّ الذي أستأمنه على نفسيَ ليلا. المرآة على صفحتها نرجسيٌ خالد. الخزائن الغائبة في وساوسها العقيمة ومستقبلها الراكد. حتى القصة التي على وشك أن تُقال. حتى فراشي المعلّق في الهواء بعد أن نفضته أمّي. حتى أمّي، الواقفة في منتصف الغرفة تائهة في التفاصيل ومشغولة في تأجيل المجهول. كل شيء ثابتٌ، هناكَ أمام عينيّ المغمضة، ولي أن أُبقي الأشياء على حالها وأغيب، أو أفتحهما، وأجرّب_للمرّة المليون_حظّي.
||
وردة على الأرض. نداءٌ مهمل ظلّ يطاردني حتى يئِس وتلاشى. أثرُ خطى تصعب على التخمين. مفتاحٌ وصورة. أغصان وطرقٌ تتفتّح تحتَ أقدامي. رسالة ناقصة. مفازة وينابيع، خطوتان إلى الجحيم وأخرى مثلها إلى الفردوس. أنهار على مدّ النظر، وبساتين تميد بخصرها. قصور بذكرياتها وأيّام طينها. قُرى تنأى بعزلتها. أبواب في الخيال أدخلها أسيرا وناجيا أخرج. أمشي على نغمةٍ في سلم، أهبطُ إلى مقام جريح. حتى السماء تستلقي على بحيرةٍ راكدة في منتصف الشارع. برأسٍ مُطرقة ويدين مقيّدتين وراء ظهري أمشي، مشيَ الفلاسفة وتأمّل المُقدّرين. على الدرب نفسها حيث استرسلت بالأمس ذاهبا وعدتُ هاربا أنقشُ في جلد الأرض رسالة مخفيّة وأترك للنسيم البارد أن يحمل عنّي ثقلي ويدفعني بعيدا. أخالف الجهةَ التي سلكتها قبلا وأعود كي أستكمل المتاهة بخيطٍ في يدي. أحمل هذه المدينة وجدرانها على مستوى عينيّ وأثبّت في حدقتيهما عتمتها وأشباحها وأشجارها. لعبةُ هذا الصباح أن أكونَ بعيدا عن الأرض مسافة وثبة وعن السماء بقدرِ ألف نظرة عميقة؛ طائرا حائرا بين الجهات وذاهبا إليها كلّها.
|||
على ضوء الصباح والأغنيةُ لا تحتمل أكثر من أن تكون ضربة خفيّة تحت العظام. الأغنية جناحُ العالم المبلّل؛ ينفضه في الأعالي فتصيبنا عنايته مثل مطرِ الصيف وردتگ تُمُر ضيف، يدا الخلود تسحبانني من أيّ لحظة وتدفنني فيها، تعويذة الروح؛ إشارةٌ سرّية للتحليق أو الانطفاء فحسب. صباحا والأغنية في فمِ طائر يذرع فضاءَ الله، أو على ظهرِ مسافر وراء هذا الفجر، أو داخل عينيّ غريب. أتذكّر الحالمين والأشقياء، المنسيين والمتورّطين في متاهة المجهول، الباقية وجوههم على صفحة الماء، والماشينَ خلف الغياب مثل ظلّه، ومن قالوا كلمتهم الأخيرةَ وضاعوا، أتذكّر الوصيّة المعرّية:”فاسأل الفرقدين عمّن أحسّا-من قبيلٍ وآنسَا من بلادِ” والعابرين تحتهما، أتذكّر النورسَ المنفيّ جوناثان والبُشرى المضيئة في عينيه، وكلّ من هُم وراءَ هذه العاصفة في البال، ووراء هذه النافذة في الحلم، وأنسى، الكائنَ الأوّل الذي تركَ أغنيته على عتبة باب العالم، وهرب.