لعبةُ الصبَاح(6)

|
في نواة هذه الحيطان المطلية بالخدوش أسرارٌ مُخبأة، رسائلُ ووصايا للأحياء الذين سيجيئون بعدي ويصدّقون ظنونيَ الرخوة. انتصابها المسترسل يشدّني إلى أعلى ووراء لمعانها الباهرِ عيونٌ محبوسة في حسرتها، وفي ارتجافها الرتيب صرخة لا يصلني غير صداها. وراءها أنهارٌ نزلت فيها وبحيرات جلستُ على ضفافها وأيدٍ كثيرة تضرب في فراغ. ومثل من يقف خلفَ المرآة، خلفها يقف، ولا تلتقي نظراتنا إلّا في لحظة غفلة أو هُدنة. تحفظني داخل صندوقها الأثري وتطلق عليّ أشباحها ليلا. سجينُ دوارها الدائم وحائر بسبب أبوابها المطموسة. أتوسّطها مثل نقطة على صفحة من بياض، وأشقّها عابرا تارةً أخرى مثل سهم ناقم، ثمّ أتركها وحدها مع فضائحي وفوضاي. الحيطان التي تنبسطُ على جهاتها الأربع في الشرود وتُريني ما تخفيه من بلاد وأسرار ومعجزات، وفي لحظة الصحو تكاد تثبُ على صدري. في قلب هذه الحيطان قُرَى صغيرة ستفنى، بعد أن تهبط عليها من السماء كرةٌ إسفنجية كنت أمرّن بها ذراعي منذ الصباح برميها نحو الحائط؛ ستختفي في العدم، وتنسى هذه المرّة أن تعودَ إلى يدي.

||
منذُ الفجرِ وأنا أدور في فَلَك نفسي. أعيشُ حياتي وأحفر في إثرها. أنا قصّاصُ الأثر، أدور حول نفسي مذ عرفتها. لا يُغيّرني طارئ ولا تغويني رغبةٌ في اجتهاد. أتبع خطاي نفسها وأمشيها كما كانت بالأمس. ما خرجتُ إلّا بسبب هذه الزرقة المستحيلة، جاءت من كل مكان، وقفتْ على زجاج شُبّاكي وحيّتني واستأذنتني للدخول، فحيّيتها بأحسن منها أو خُيّل لي. غادرتُ غرفتي وأغلقت على يدي الباب، وكنت أُحسّ وأنا أغلق البابَ على يدي أني سأفعل. تركتُ المدينةَ ورائي ومشيت نحو بشارةٍ تومض في السماء. داخلاً هذه المتاهة التي تتكشّفُ لي بعد كلّ مرحلة من مراحِلها، فأعرف سرّها مرتين. أدور حول نفسي في رقصةٍ درويشيّة لا تنتهي وفي رأسي تدور البلاد والأوهام والرؤى وعميقا في العينين تدور عينا إيستيلا وورن كأنها مركّبةٌ أحداقها فوقَ زئبقِ*. مسافرٌ في رحلة لولبية من الفجر وحتى وقت ذبول الأقدام والخدرِ اللذيذ في الأطراف والشرارة الخفيّة تبرق بين العظام. أدور مع أنصاف الحكايا والأغنيات مثلما يستمرّ(الطوطم)بالدوران على الطاولة في الفيلم، لأنّي لا زلتُ في سريري أحلُم وأتخبّط وأهوي، ويبدو أني-كالعادة-أضعتُ المخرج.

|||
خيالي هو ما يُبقي الغرفةَ على حالها. طافية فوق بحر من الهلاوس والرؤى. محمولةً على جناح فراشة وحائرة بين الجهات. خيالي هو ما يُسمّي الأشياء الساقطة من علوٍ في الغرفة نيازكَ ويرى المساحات الفارغة ينابيعَ وضفافا. ويعوّل على ما وراء الباب؛ موسيقيٌّ قديم يبحث عن نغمة أو شاعر ظلّ يصرّ بحثا عن خاتمة حكاية متمنّعة. صباحا على السريرِ رأسي مكان قدميّ هذا النهار. السقفُ لفان غوخ والمرايا لدالي. وما الذي يبقى لي حينَ أصفرُّ كدوّار شمسٍ ولا أرى في المرآةِ سوى عينين تدوران كمجرّتين ولسانٍ يتهدّلُ كعصفورِ ساعة من شدّة الإعياء. صباحا على السرير لي وجه شارِد مع السرب وذراعان كطائرين مقيّدين إلى جسدي وساقاي عكّازتان للأيام المريبة. لي أذنان تتخاطفهما نداءاتُ غرباء وموسيقى مروّضة، وجسدٌ لا يقلقه الهدوء المُبشّر بالطوفان. لستُ أمدّ ذراعي إلّا جسرا تعبر فوقها المركبات والناس إلى الجهة الأخرى، ولا أحرّك أصابعي إلّا لتبقى النغمةُ حيّة، ولا أُنادي بصوتي لأنّه الحقيقة الواحدة التي ستنبّهني من هذا العالم الحالم، لو بكلمة، أو صرخة.

*أدرنَ عيونا حائراتٍ كأنها-مركّبةٌ أحداقها فوقَ زئبقِ _المتنبّي.
*الطوطم. من فيلم inception. هو أقرب للعملة النقدية، يُديرها الشخص فإذا استمرّت بالدوران علَم أنه يحلم، وإذا توقّفت بعد قليلٍ علم أنه ليس كذلك.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ