لعبةُ الصباح (4)

|
والصباحُ غافٍ وراء الشبابيك. والصباح حلمٌ أدخله مع الناس وأغادره وحدي. وضوء الصباح يُعبّئ النقاط الفارغة في الزجاج وينفذ عبرها كعيونٍ شاخصة بعد أن كان الليل يسدّها من فوق عتمة الغرفة الخدرة. أتذكّر ليلة البارحة، وكيف استيقظتُ بسبب السكون الغريب خفيفا وديعا، ريشةٌ تتنزّه في الهواء، حتى وإن شدّتني قدماي المتثاقلة إلى مصيري وأنا أفتحُ بابا بعد باب في البيت الخالي. لا صوتٌ ولا نفس. أنادي بهدوء مُمتنّا لهذه اللحظات الصامتة التي لا تُعاش مرتين. وأحاول كمخمورٍ استعادةَ ما حصل قبل النوم، أيّ حدثٍ وأي توصية على جرّة الغاز المفتوحة أو ضوء الممرّ الخارجي أو حياةٍ تورّطتُ بها بين يدي. إلى أن يصلني هذا النداء الأليف؛ يرنّ هاتفي على بعد ثلاث غرفٍ وخمسة أبوابٍ مُشرّعة، وصوتٌ يقول بأننا في الخارج وسنتأخر في العودة. لا آكل ولا أشربُ شيئا ولا أمشي خطوة أخرى. أستلقي على سريري منفايَ الأوسع، ساقاي ممدوتان إلى ما لا نهاية وإحداهما فوق الأخرى، الليل وراءَ النافذة، يعبرُ بُلدانا لا أعرفُ أسماءها، والأهلُ بخير وعمّا قريب، عمّا قريب سيجيئون. وأنا آملُ أن يتوقّف الوقت هنا، وأن تظلّ الساعة كما هي، العاشرة والـنصف، والأهل سيجيئون، والعالمُ غارقٌ في سكونه ولا يدري.

||
ليتني أترك ورائي هذه الأمنيات المستحيلة والكُتيّبات خفيفةِ الوزن على الطاولة قُرب السرير والأحلامَ التي تعلّمتُ أخيرا كيف أحتال عليها وأدخل من بابها الخلفي فلا تتهيّؤ لي مجاملةً ولا أرتطمُ بسخريتها الفجّة والعيونَ التي ستظلّ غريبة عنّي وعليّ. ليتني أضعُ هذا الصباح خلفي وأتبع نصيحةَ ابن منير:”أفلا فليتَ بهنّ ناصيةَ الفلا!”حادياً همومي ووساوسي وعلَلي الخفيّة، ذاهبا إلى أبعد ما يكون. ليتني أغذّ السيرَ فلا أقترب من المجهول ولا أبتعد عن مكاني خطوة. أتعلّم كيف أعلّق نظرتي على نقطة لا يراها غيري وكيف أصغي بخشوع إلى النداء الحقيقيّ. مدفوعا برغبةٍ ضليعة تتودّد إليّ كل صباح أخرج من هذا الباب إلى أبواب كثيرة ومن هذه الكلمات إلى صمتٍ خالص ومن الفضول تجاه الأشياء والأسماء إلى فضول لرؤية آخر الدرب التي راحت تتقلّبُ تحت قدميّ. ليتني أجدُ الشجرةَ النائية اليتيمة حيث نمتُ تحتها مرّة في حُلم، ولمّا انتبهتُ حرّكت أصابع قدمي فلم أشعر بشيء، وقرصتُ بيدي يدي ولا شيء، ولم أكن أنا أنا، ولم أعرف أين ذهبتُ.

|||
منذ أوّل نبوءةٍ وأنا أطارد الصباحَ بكاميرا هاتفي المغبّشة من رأس شارع إلى زاوية ومن تلّةٍ إلى حُمرةٍ مُسالة بعناية وراء البنايتين المتلاصقتين كتوأم سياميّ؛ هناكَ أقف وألتقط اللحظةَ التي ستكون بعد سنتين أو ثلاث صورة مشوّهة لذكرى جديرة بالاحتفاء. بالغبارِ في قدميّ الخدرَتين من المشي. أُطارده بفيلم وقصة، بقصيدة أوشِكُ أن أحفظها وأهذّها على مسامع النَدَامى في الغرفة الخالية وهم ينوسون برؤوسهم. بمتعةٍ ناقصة، وطرفة بسببها ظللتُ أتدحرج طوال النهار، وهذيان واردٍ أبدا. أطارده بذراعيّ اللتين مذ بدأ وهنّ يدرن كمروحتين في الفراغ. بلساني الناقم يفتتحُ حفلةَ الشتائم اليومية، وبصمتي السخيّ يسومني بعد كل كلمة أنواع العذاب. منذ الصباح وأنا أطاردُ صاحبي الذي يجلسُ أمامي ضيفا على كرسيّ في مقهى، محاولا أن أشرحَ له؛ لمَ قد يعني أي شيءٍ لأيّ أحد! أمسحُ من على وجهه الدهشة الباهتة ومن ورائِهِ أرى الليل ببطء متعمّد وساخرٍ-على الزُجاج-يُرخي سدوله ويصيح.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

لا توجد آراء بشأن "لعبةُ الصباح (4)"

  1. هذه الصباحات لا تنتهي، تعيش، تتكاثر، وتسجننا بها ..
    ليس الأمر وكأنها سجّاننا الأبدي، لكنها مساعده ..
    أفكر أحيانًا في عدد السنوات التي مرّت وأنا أحاول تجنّب صباح واحد، لأدرك كل يوم أن ما أتجنبه حاضر أمامي في كل وقت ..
    أكره الصباحات هَذه، ولسبب ما أنا لا زلت رغمًا عني أعيشها ..

    إعجاب

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ