لعبةُ الصباح (2)

|

على السقف لي صورةٌ تتحرك معي إذا حركتُ يدا أو ملتُ مع الصَبَا والأغنيات. دون أيّ مجهودٍ يُستأنَف هذا التناغم العجيب بين مرايانا. تستفزني بالتحديق وأعذّبها بنظرةٍ باردة. تقضي وقتها في التبرّم والتأفف وأترفّع عنها بتجاهلها. بيننا بلدان وجبال ومرايا وسماء ورؤية ضبابيّة ناعسة تمنعنا من التواصل أحيانا. إذا أكلتُ شيئا شاركتني وإذا قرأتُ قلّبت معي الأوراق، ولو صرختُ متأثرا بعُربَةٍ أو بيت ظلّت تعيد الصرخةَ عليّ حتى أنتبه لها امتنانا. وإذا خلعتُ قطعة من ملابسي فعلتْ مثلي وإن تماديتُ تمادت حتى يخجل أحدنا من الآخر ويكفّ. صورة بريئة عندما تستلقي على سريرها العلويّ ونتبادلُ النظرةَ نفسها مثل خيالين في بال. وشرسةٌ عندما أطفِئ النورَ وأتركها معلّقة المصير هناك مثل قطّة شرودنجر. أخرج من الغرفة وأقول لنفسي بأني إذا عدت فلن أجدها في انتظاري. ومن أنا؟ لكنها هناك، وأنا العائد إليها”وما بين عيوني إلّا هي”. أحدّثها فلا أجد منها إلا التطمين والبُشرى، وتحدّثني فلا أسمع منها إلا ما يدور في نفسي. توأم سرّي كنّا في دنيا العجائب. فتحتُ عيوني هذا الصباح على لوحةِ السقف الأثيرة فلم أجدها مكانها، فظننتُ أنها اختفت دونَ أن تودّعني. قلبتُ الوسادة، نمـتُ وعلى لساني:”حتّى لعمري كِدتُ عنّي أختفي*”

||
بعد القلق من المآلات المتاحة والمصائر الاضطرارية وبعد أن تجفّ الأنهار وتهوي الجبال وتذوي الأزهار وتمّحي آثار الواقفين على الأطلال من غرفتي السحيقة أكثر من مغارة وبعد أن تستقرّ القصيدة وتجد التقسيمة قفلتها وتنتصبَ في البال صورة لعوبٌ وبعد أن تعثر الغرفةُ على لحظتها الساكنة أغفو، ودونَ حيلةٍ، أتنبّه إلى أني قد ورثتُ عادةً أخرى من لازمات والدي؛ حين يترك ذراعَهُ اليمنى معلّقة في الهواء وينام، أغفو هذه المرّة واعيا بذراعي، تاركا لها حقّ الاختيار؛ إمّا أن تظلّ واقفة كشراع سفينةٍ تؤرجحه الرياح، أو أن تخرّ كشجرةٍ مرّة بعد مرة، أو لعلّها تميلُ كغصنٍ فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. أغادرها ماثلة كزاويةٍ قائمة ولا أتدخّل في شؤونها، قد تكون مالَت برأسها قليلاً إلى الوراء وأصابعي الخمسة كأنهنّ وريقات وردة مُهداة إلى مجهول، أو بقيتْ متيقّظة وحذرة، ناهضةً كعمودِ معبدٍ أو إنارة وفوقها كفّي الصغيرة مثل عصفور، طامعةً وتائقة إلى شيء لا يُرى. ذراعي النحيلة الممتدّة كفتيل، تنفذُ عبر الفضاء ولا يوقفها شيء، وعروقها المتشابكة تشي بأسرارِها ولا أُصغي. أتركها هكذا، وأعود إليها بعد النوم وبعد أطوارِ الحلمِ الكثيرة وألقاها على حالها. كأني لم أنم، وكأني لم أرها قبل لحظاتٍ تنهارُ وترتطم بحافة السرير وإثر ذاك ينتهي العالم.

|||
من الضجرِ أو من أمورٍ أخرى أقلّ تعقيدا أغنّي مثلما تغنّي السيدة في لوحة صغيرة الحجم على الجدار أمامي. أغني ولا خلاف بيننا إذ تظنّني واحدا من عشّاقها اللا نهائيين فرِحا بهذا التقاطع التاريخيّ، وأحسبها فردا من أفراد الجوقة التي تحمل عنّي أخطائي وتمحو ورائي آثار النغمات الناشزة. أغنّي، ولا أعلو بصوتي حتى لا أوقظ الجيران ولا أنزل فأنبّه الشياطين الغافية في الزوايا. مثل خبيرٍ وعارف بالمقامات أشدو وأتنقّل من طبقة لأخرى وأحـطّ كما ينبغي وأسترسِل كيفما كان، أعتني بقفلاتي حسبما أرى وأسنّ قوانيني الجديدة وأختم كما أشاء. الجدران حولي تنبض بموسيقى خفيّة وأنا وحدي في الصباح غِرّيدٌ لا شبيه له. أنهضُ استجابةً لإحساس مُختمِرٍ لأُكمل ارتجالي الحياتيّ، أستحضِر موّالا وأمشي في أرجاء الغرفة لا خوفَ عليّ، أغنّي وأُفاجأ بمساحاتٍ جديدة في صوتي، مساحات أضيق من فسحة عصفورٍ في قفص، أخرّ هامدا على أرضية الغرفة الباردة، وحيداً دونَ أن يراني أحد، وحيداً إلّا من نظرة دافئةٍ للسيدة الغائبة في غنائها، تستقرّ في عيني مثل وداع، وأموت، وحيدا.

*”أخفيتُ حبّكم فأخفاني أسى-حتى لعمري كدتُ عني أختفي” -ابن الفارض.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ