محمّد خيري شيخ الاستغراق

موال سبعاوي:
ياللي جنيت الورد عالخدين طاب الشام-من شمّ
يا كوكب الصُبح بالدنيا مثال وشام-أغلب الظن من شمّ وأشم من العلوّ والارتفاع
يا سعد من له على صفح الوجاين شام-من شامة
لبات ظمآن وأروى من عذب منهلك-من منهل. مورد الماء.
مسكين من شاهدك أصبح بالهوى منهلك-من هلَكَ
ناشدتك الله يا بدر الدجى من هلك-من الأهل
مثلك ما شفت بالشهباء وبرّ الشام-بلاد الشام

حكايةٌ قصيرة قد تُروى على لساني أو لسان محمود ميلاجي راوي الطُرفة الأصلي أو على لسان الدهرِ نفسه شاطحةً بين قصائد المُتنبّي”وما الدهرُ إلّا من رواةِ قصائدي-إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهر مُنشدا”عن الرجل البعيد في تسجيلٍ نادر عندما شذّ أبو هيثم عن القاعدة واستعجلَ في المُناجاة والتفاريد فصاح الرجلُ بلهجته الحلبية”محمّد.. محمّد.. وين رايح، ع بيروت؟”

قبلَ أن تولدَ النهايات الغامضة، وتتوسّلك الأصوات أن تترفّق، وقبل أن تُغنّى ابعتلي جواب لأوّل مرة، وتكون الحكاياتُ عنكَ قليلة ونادرة وأن تمر خفيفا وآسراً، وترتجل توهانكَ الفريد، وتخجل في حضرة أوّل فتاة ترقص على المسرح أو في الخيال، وقبل أن أسمّيكَ شيخ الاستغراق* وقبل أن تشتعل في صوتكَ آلاف الحسرات ولوعات التوجّد، وقبل يكون صوتكَ في أي لحظةٍ يداً تظهر من العدم؛ تسحبني وتُعيدني إلى غرفة الخلود، وإشارةً سرّية للتخلّي والانعتاق، وقبل أن تروّض الكلمات وتعرف كيف تؤرجحها، وتطوّعها كي تطيلَ لحظة الانتشاء وتستغرق في التكرارات، كنتَ وسرگون تائهين في ليل الذُبياني، وكنتُ جالسا في أقدم خانات حلب*، أقرأ لأحدكما قصيدةً وأسمع الآخر يموّل ويستعذب الليالي. وحدي هناكَ، مسافرٌ يريد أن يستريح.

تُغنّي منفردا وتحلّق وحيدا. لكَ من الآخر، المحظوظون الذين وجدوكَ صُدفة فصرتَ صاحبهم واكتشفوا في صوتكَ غابات الاغتراب، والأقل حظّاً دُلّوا عليكَ وذابوا في زخارفك والليالي المسترسلة، ولك ابتسامةٌ خجلى ونجمةٌ مضيئة في السماء أراها كلما رفعتُ يديَّ لله ودعوتُ.*

يبدو غريبا لي أنّ غرفةً تركتُ على حيطانها ما يشبه التواقيع والوصايا وحلمت فيها بأيام وحياة لا يمكن أن تكون لي واستنزفت فيها أفكارا بتكرارها ونظراتٍ بتقصّيها وتأملت فيها كل شاردة وواردة وغبتُ في ظلامها شيطانا واستيقظت في صباحاتها ملاكا ينزّ جسده عطرا وزهدا وفضّلتها على المنافي والأوطان المُتخيَّلة وبرّرت لها ضيقها وقلقها وكنت ابنها البار وأغلقتُ خلفَ بابها ملايين الأبواب وحفظتها بعيدة ومصونة وتصوّرتها مدينتي الفاضلة مع بعض التجاوزات وكنت في مراياها هزيلا ومحنيّ الظهر ومحتالا على الابتسامة وكنت على بلاطها جسدا غائبا يذوي ومصيرا مجهولا وعلى وجودها مارّا سريعا كالأمل* وفي خيالها سجينَ محبّة ورهينَ محبس وتمايلتُ مع إيقاعاتها المجهولة وتلذّذتُ بتفاصيلها المدفونة وزواياها اللا نهائية وصدّقتُ كل خرافة روتها لي واستجابت لكلّ كذبة غرائبيّة ألقيتها على مسمعها وفي قلبها واسترقتُ فيها السمع وأصغيت لرنينها الخفيّ إلّا عني واعتكفت فيها أياما حتى نسيتُ أن لي موطئ قدم خارجها وغنّيتُ فيها وسامحتني على نشازي وغنّت فيّ حتى امتلتْ رأسي بترانيمها وشدوها وكتبتُ عنها ولها وفيها كل الشذرات والمراثي والبكائيات وصعدتُ إليها صومعةً تنأى ونزلتُ منها هاربا من أشباحي وقلِقا على عقلي وهواجسي وسرتُ عبرها في وديانٍ وقصص وقصائد وانغمستُ في أنهار ونَجَاوى وعيون وانهمرتُ مع الدموع والدِيَمِ ووطّدت علاقتي بعتمتها ووشوشتْ لي بعض أسرارها وفُضحت تحتَ ضيائها عندما انسكبَ فجأة ضوءُ الصباح وطرتُ ماشيا في أرضِها مع سربٍ بعيد ورجعتْ إليها مثل تائب يرجو المغفرة وتخفّفت من عبـئي وهمّي بأن شتمتها وتخففّتْ من عبئها بأن ضاقت حتى تجمّدتُ واقفا في مكاني، غرفةٌ كهذه، مع كلّ ما مررتُ بها فيها ومعها ومع كل ذكرياتي ورؤاي وهواجسي عنها، يبدو لي غريباً أن أعجز عن العودة إليها، إلّا مغمضَ العينين، أو مُصغياً لأغنية بعينها وقتَ سَحَرٍ في مزاجٍ خاص واللحظةُ على اتّساعها تتكرّر، كأنها ثابتة في الزمن، كأن الحياةَ كلّها لحظةٌ أنساها، فتعود لتشاكسني مرّة أخرى. ديجاڤو.

الدرب طويلة أمامي. أحياناً أتناساها، فأصغي إلى الأنين الخافت في عظامي الناتئة وشراييني المتفرّعة مثل أغصان تتكسّر تحت خطاي. وأحياناً أخرى، أتحايلُ عليها، وأكرُّ شريطا صوتيا عالقا في رأسي، فأصير كمن يمشي في نومه أستدلّ بشجوِ الأمانات* ساعةً، وساعة أتقلّب بين جنبيّ القوافي. أمشي وورائي ظلٌّ ثقيل يتعقّبني، كأنه ظلّ طائرٍ خرافيّ في السماء، خطيئة لا تتوب عنّي، أو ندم ثابت يسبقُ الالتفاتة، أمشي وأتجاوز أوطانا وعيونا ونظرات، تلويحاتٍ ووداعات، وأطوي آمالاً كثيرة وأوهام، أصلُ نهايةَ العالم، وأفتحُ عينيّ عليَّ، واقفاً أمامَ البيت، ولم أبتعد إلّا في خيالي.

*معلومٌ أن اللقب يُذكِّر، وعلى صيغة(تقريبا)لقب السهروردي”شيخ الإشراق” واستغرق من تجاوز وبالغ.
*”وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ” الذبياني. ولسركون نصٌ بعنوان “كواكب الذبياني”. أمّا خانات حلب فهي أبنية مخصّصة لإقامة المسافرين والقوافل التجارية منذ عصور الإسلام الأولى. منقول.
*”يا داعيا لله مرفوع اليدِ”من موّال قل للمليحة.
*مر هذا اليوم كالأمل. أغنية للموجي ونجاة وكلمات مصطفى البدوي.
*أفترض أنها جمع أمان. اللازمة الحاضرة في الموّالات.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ