LOST

تشعر أحياناً بكلّ نزواتهم. بتعثُّرِهم الناعم في هواء الغرفة. بلمعانهم الحاد في المرايا المعتمة وأزيزهم الرتيب داخلَ صندوق موسيقاك المتخيَّل. ويفصلك عنهم جدارٌ هشّ؛ عبارة عن لحافٍ سميك، تتكوّرُ داخله مثل جنينٍ تُشكِّله أصابعُ وحوشٍ غير قادرة على الوصول إليكَ حتى اللحظة. أقدامكَ التي بانتظامٍ تدور حولَ نفسها؛ مولّدة شحناتٍ كهربائية، تُضيء ظلامكَ الخاص لأجزاء من الثانية. وتكاد ترى كأنما في حلمٍ، لقطةً عشوائية من الطفولة؛ تنانيرَ قصيرةٍ تدور في ضياءٍ تام، أو وجه كاثرين هيغل وهي تضحك ملءَ فمها ووجهها ووجوهنا، وكل المتواجدين في الحانة حينها. وتجلس إلى جانبِ جيمس مارسدن على طاولة البار، وتقول له: ليستْ هذه الكلمات وتلتفت نحوكَ ثم تقول: ليستْ هذه العتمة. وعندها فقط تسمعُ صوتَ الباب وهو يُفتح ببطءٍ وبلا نهاية. وأنتَ تدسُّ أطرافَ اللحافِ تحت جسدك، وتنتظر حتى سماع أوّل كلمة، أي كلمة أو أيّ ضوء، لكنَّ صريرَ الباب يتوقّف فجأةً وُيغلق. فلا تعرف هل ذهبَ أحدٌ منهم، أم أنّهم قرّروا إعادة لمّ شملٍ على شرف انتفاضاتكَ الساكنة. تحبسُ أنفاسكَ لثوانٍ؛ كأنك تغوص في أعماقِ طفولتكَ عبر نفقٍ؛ تعود عبرَ الخوف عليها، إلى الخوف منها. وخلال ذاك، تجرؤ يدكَ على الوصولِ إلى هاتفكَ المغلق، تتلمّسُ درباً مألوفاً فتتبعه، راجياً ألا تتعثرَ أصابعكَ في غرضٍ ما قد نسيته في غير مكانه، ثم يسطع ضوءٌ ولشدّة ما اعتدتَ العتمةَ التي لا تدري لكم استمرّت، ليس بإمكانك سوى أن تغمضَ عينيك أكثر وقد يحدث عندئذ؛ أن تتداعى داخل سباتٍ مفاجئ، وتحلمَ بالطفلِ الذي كنته والطفلَ الذي صرته، وحتماً لا تستطيع الرجوعَ إلى أي عتمةٍ ولا الخروج منها، وأكثر ما تتذكره أنك كنت نائماً-طوالَ هذا الوقت-في مركبةٍ فضائية داخلَ كوابيسك..
يديَ التي على كتفك
يدكَ التي على كتفي
كانت هي الطفولةُ التي ستلمسكَ
ستلمسني
في أي وقت.

||
Lost
‏”C 35″
رقمُ مقعدي في الطائرةِ
قبل أن تكنسني المضيفةُ بابتسامتها
لمقعدٍ مختلفٍ شاغر. مقعدٌ بجانب النافذة
إلى شمالي يجلس رجلٌ وطفلٌ على الطرف
أسندتُ رأسي للطاولةِ المعلّقة بظهرِ المقعد الأماميّ حيث يمكنني خلال غفوتي الإصغاء
لدعواتِ روز، هامسا بعدها: “Amen, amen”
قبل أن يقاطع صلواتي الطفلُ المجاور؛
وهو يطلب قطعةَ شوكولاه إضافية
من المضيفة التي جاءت تدفع طاولةَ طعامها
مثل أقدارٍ فظيعة توزّعها على المسافرين.
ألمح بوون مارقاً في الممرّ، وتطرقُ شانون رأسي
بشفتيها. أحسبُ الوقت قبل مفاجأة نوبتها التالية
هل ستكون بحاجة لتنفّسٍ اصطناعي؟!
أشعرُ بهواء جزيرةٍ نائية في جوفي
وغثيانٍ حاد من فرط التفكير.
أنهضُ متجاوزا الشخصَ الأول، ثمّ
الطفل متجها إلى دورة المياه
يُعيقني جون بابتسامةٍ صفراء وبإيمانٍ تام
يحرّك أطرافَ أصابع قدمه ساخراً.
صوتٌ يتسرّب عبر مكبّرات الصوت في الطائرة
‏”Hot lips”
لا بدّ أن سويَر يُغازل المضيفة.
أشردُ للحظات
وتدفعني من الخلف كلماتٌ من لغةٍ لا أفهمها
هااا. صن لم تخبر جين بعد.
أصلُ أخيرا، مندفعاً كخنزيرٍ بريّ
باتجاه الباب..
لكنّ تشارلي يطلبُ بضع ثوانٍ
أنتظرُ طويلا، قبل أن يفتحَ البابَ
منتشٍ بجناحين وهمية:
‏”Hi man”
أخرجُ بعد لحظاتٍ بسبب الجلبة في الخارج
مطبّاتٌ هوائية، وفي غمضةِ عين
الجثثُ تدفعها الأمواجُ للشاطئ
والبعض يستسلم فقط..
جثةٌ عملاقة في البحر
أراقب بذهول
جاك يشقّ بقدميهِ البحرَ،
سعيد ومايكل
يذهبون خلفه باتجاهِ الجثّة.
لحظات ويخرجون حاملين هيرلي
لبرّ الأمان. علامةُ X على الصدر
يضغطُ جاك بقوة، مجدداً، مرةً أخرى
تقفزُ أنفاس هيرلي على هيئة أرقام
4.8.15.16.23.42
يطلب الطفلُ مجددا، قطعةَ شوكولاه
أستيقظُ. وأمدّ يدي للمقعد الأمامي،
لأكملَ صلواتي المتقطّعة وتباركها روز،
آملاَ أن تُفلتني الطائرةُ في مكانٍ ما
أبعدَ من رحلاتي المُشتهاة..
بقعةً صغيرةً إضافية
في وجهِ كايت
‏Freckles

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ