
|
سهلٌ على الموسيقى الطمأنةَ، سهلٌ عليها إعادة تشكيلكَ وفهمك. لكنها تفعلُ مثلما كل شيءٍ آخر في هذا العالم يفعل؛ تحفرُ عميقا في داخلك وتترككَ في مواجهتكَ، تخوض مراحلَ نشوئكَ في حِجرها. حتى الموسيقى لا تساعدُ أحياناً. تعيدكَ! نعم، لكن، إلى ما قبل ميلاد الكائنِ الجديدِ الذي صِرتَهُ.
||
موسيقى، تصلُحُ أن تكونَ حيلة الآخرِ التي تنطلي عليَّ بسهولة، صمته الذي يعذّبني لاختلاقِ حكايةٍ من العدم،
موسيقاه تدوزنها رعشةُ أطرافي، لهفته التي تموتُ بلا ردّة فعلٍ واضحة. تصلحُ لأن أكونَ أنا في أيِّ مكانٍ من العالم؛
تظهرُ لي يدان، تسحبني، وتعيدُني إلى غرفةِ الخلود.
|||
هذه موسيقى الأقدام. هذه الموسيقى الأولى التي عَبَرتْ الحدودَ بمعنييها؛ لها شكلُ الانحناء الآخذِ في التمرّد،
ولها صوت قلّة الحيلة، لها همومي وهشاشةُ عظامي، ورغبتي في الانتماءِ أو الرجوع، لها السفرُ الدائم، ولها حينَ تهدأ لونُ الصباحات. وقد تكفي هذه الثواني القليلة قبل إعادةِ تشغيلها، لأرتاحَ؛ قد يكفي حقاً، صباحٌ واحد،
لأحيا، بين غُربةٍ وأخرى.
||||
أحياناً قليلة، فقط، أودّ لو أستمعُ إلى موسيقى كما أستمع إلى هواجسيَ الخاصة؛ بلا فضولٍ قاتلٍ وبلا حاجةٍ للإمساكِ بطرفِ خيطِ الحكاية/مجرّد تدفّقٍ سرمديٍّ، وشخوصٍ في مرآةِ الروح. أحيانا، لا أصدّقُ أني اسـتيقظتُ فجأةً وأنا عابرُ حياةٍ كاملةٍ من التوهّمِ والكوابيس/وليسَ في نيّتي؛ سوى الجلوسِ في الزوايةِ والاستماعِ إلى إيقاعِ خطواتها، والامتنانِ حتّى، لموسيقى لم أطلب تشغيلها.
|
جيّدةٌ في التوهّمِ هذه الموسيقى. لا تأتي من مكان/ لا تحاول الذهاب. إنها تتسعُ، وتنتشي، وتخطفُ الأنفاسَ؛ حتّى يحاولَ كل شيءٍ حولي وفيَّ تقمّصها، أو التماهي معها. حتى تظنّها الروحُ تعويذَتها الخاصة للخروج؛
إشارةً سرّية للتحليقِ أو الانطفاء. هكذا، فحسب.
||
منشغلٌ باختراعِ المكانِ الذي ستحطُّ بهِ هذه الموسيقى.
بملاحقةِ حبكتها وفكِّ شفراتها، بالبقاء معها على الإيقاعِ ذاتهِ، والنشوةِ ذاتها، بتحمّلها؛ دون اضطرارٍ لاستبدالها بحياةٍ أخرى/ بالكادِ أميّزُ صوتها/ لو ارتطمَ بها أحد.
|||
وعد. هذه آخرُ مرّةٍ أحكي فيها عن موسيقى، آخر مرة أتركُ فيها موسيقى تتحدّث عنّي. وعد، هذه أول مرة أنتحي
لتأخذَ الموسيقى مجراها. مطمئنٌ لعدمِ اضطراري للمواجهة/ ممتنٌ للاكتفاءِ بتوفيرِ الأنفاسِ المتقطّعة ولحفظِ هذا النصيب من التوَهانِ لقادم الأيّام. لروحٍ تحفظُ طريقَ العودةِ أحياناً؛ آمين.
||||
تفيضُ مثل كل الأشياءِ المفقودةِ؛
لحظاتُ الاطمئنانِ الغائبة
كل مرّة تُحقّق نبوءتَها هذه الموسيقى
وتمنحني الرغبةَ الخالصةَ في الانعتاق
هذا الشجنُ الساحرُ لا يخدعني
هذا الطفلُ الذي عادَ
ليسَ أنا
لستُ
هو.