
“عتابا لا تعاتبني وني حي
لبّسوني ثياب الموت وني حي
صديق الما نفعني وني حي
شسوي فيه حين ردّات التراب؟*”
الآه التي فلتتْ منّي دونَ انتباهٍ، تفاعلا مع صوت أديب الدايخ في موّال بيضاء؛ والذي لمس السقفَ الآن بصوته، تسلّلتْ عبر فرجةِ أسفل الباب، وتدحرجت درجةً درجة ونبّهت أمي، التي كانت تمسك بالملعقة كمايسترو، توازنُ بين طبخاتها، وتدوزن النار أسفلها، وتبتسم لجماهيرها، وهم يطمئنونَ على الأغنية قيد الإنشاء. فتجمّدتْ، كأنما أضاعت نغمةً، ومرارا حاولت-بلا فائدة-الصعودَ إلى غرفتي الضيّقة كقبر، ولو أنها جاءت حقا لوجدتني أهربُ من النافذة عبرَ “شلّالِ شعرها”..
اثنا عشرةَ دقيقة وثوانٍ تعقُبها من الليل المُحَاك بعناية الاسترسال، ليلٌ آخر تجنّبنه من خِفنَ في الشّعَرِ الضّلالا*، قانون تعزف عليه يدان من ندى، وهمهماتٌ سابحة في عالمٍ من شجن، وسَكتةٌ ثَملةٌ يعاودها أديب، ويستلذّ بها عند الهاء، ويستغرقُ فيها لحظةً كأنها العمر، حرفُ الهاءِ المرسومِ كفراشةٍ لها جناحان يُضيئانِ ليالي السهرِ الخاصة البعيدة في بيوت حلب، أو كوردةٍ بينَ يدي سيّدة في لوحةٍ من عصور سالفة.
الكائن الذائب وسط حلقتين من الدُخان والآهات الهائمة في ليلة من ليالي1990*. يُغنّي، ويتمايل مع الناي، في بقعة ما مُحاطة بجدران بلا سقف. يُغنّي ويتراقص الناس في دوائر من نشوة، يتمايلون بخفّة، ويغيبونَ في عوالمَ لا تُرى. جماعات منفصلة متحلّقين حول بعضهم، أفراد يُغطّون وجوههم بكفوفهم، آخرون شاردونَ في ذكرى لا يُمكن اصطيادها، وآخر منشغلٌ بحكايةٍ يرويها؛ ولا يغفلُ عن عُربَة هنا أو آهةٍ هناكَ، فيقطع الروايةَ ويلتفت ممتنّاً وحاسداً، وأطفال كثُر، منهم من يستمتع، وآخر ينام بوداعةٍ في حضنِ أخيه، فيبدو لي أن الناسَ كلّهم، حتى من لا تظنّه كذلكَ يستمع. الشيوخ والرجال والأطفال، وحتى النيام، مثلي، يظنّونَ كلّ هذا حُلُماً، وسيختفي للأبد متى ما استفاقوا.
خُضرة، أشجارٌ على الجانبين، عابرونَ ومشّاؤون، أناسٌ مشغولة بسيرِها الدائمِ القلِق، وسماءٌ تلوذ بغيومِها، وهوَ؛ يتوسّطُ رجلين لستُ أعرفهما للأسف، بسُحنتهِ الجادّة ونصف ابتسامةٍ تتوارى، ويدين مثبّتة واحدة فوق الأخرى، كأنما يستحضِرُ موّالاً صوفيّاً وعلى وشك أن ينوسَ برأسه. لا تفتقدُ الصورةُ إلّا أن تنحسرَ الظلال الثلاثية، ويهبطَ ليلٌ طويل، كُرسيّاً ليجلسَ الشيخ، والعباءةَ البيضاء المُذهَّبة التي رافقتهُ في موّالاتٍ كثيرة وسبعاويات وعتابا، ثمّ يصدحُ بصوتِهِ الأخّاذ ونبرتهِ الجريحةِ، ليتجمّدَ الناسُ في مكانهم، وتهطلَ عيونٌ كثيرة من الشُرَف والأسطحِ التي تحيطُ هذه اللحظة الخالدة، وتغيبُ الأذن الطَروبة في جنانِها.
كلّ آهةٍ فاتنة، و”أوف”تحفر في العظام، و”يُبِي-يوب-يابَا”مُدوِّخةٌ وتميدُ لها رأسي طَرَباً وحناناً إلى شيء غامض وغريب. كل مَيَلانٍ عذب في الموّال يُصلِح الوجهةَ، ويبحِر في المدى. لكن عندما يُقرّر أديب-فجأة-أن ينعطفَ بـ”عتابا”أشعرُ أن العالمَ انتهى. وأنا وحدي، أنتظر، ما التالي؟
“عتابا ما تسلّيني بعدهِم
ولا الدنيا تحلى لعيني بعدهِم
والله حرام الثغر يضحك بعدهِم
طول ما انهم عنّي غياب*”
أديب الدايخ-بيضاءُ، لا كدرٌ يشوبُ صفاءها
*وضفَّرن الغدائرَ لا لحُسنٍ-ولكنْ خِفنَ في الشعرِ الضّلالا[المُتنبّي].
*لأديب الدايخ سهرة مُسجّلة على يوتيوب من ليالي1990.
*عتابا: نوع من الشعر التراثي الغنائي.