
في ساعات مونتي الأخيرةِ حُرّاً، يصلُ شوارعَ بأخرى مع كلبه، يتهادى مدفوعاً بالارتباك والقلق، يؤجِلُ أساه المُنتظر بين ذراعيِّ حبيبتهِ وطيشِ الأصدقاءِ وهم يودّعونه ويودِعونه أسرارهم الغريبة تارة ولكماتهم الموجعة تارة أخرى. مونتي في ليلته النهائية، ليلته الأفضل في حياته، أمامهُ ساعاتٍ قليلة قبل أن يُرسَلَ إلى منفاه البعيد ليقضي سبعَ سنواتٍ في سجنهِ بعد إدانتهِ بتهمة تجارة المخدرات، ينظُرُ إلى حياتهِ وكأنها حلمٌ ضبابيّ أو محطّةٌ لا تُفتَقد، مُحاطاً بأسئلتِهِ وعذاباته، على طاولةٍ يجلسُ فيها مع أبيهِ ويتناولُ وجبةً أخيرة في العالمِ الحُرّ. ثمّ يتجه إلى دورة المياه فتلمحُ عينه عبارةً منقوشةً على المرآة، شتيمةً ساخطة وساخرة، يقفُ بجلالتِهِ وادّعائه منتظراً طوال النهار ما يدفعه إلى الانهمار بكلّ سخطه وغضبه المتّقد. عبارةُ”Fu*k you”بخطٍ صغيرٍ في الزواية، على هامش المرآة، كانت بمثابةِ قشّةٍ قصمت ظهر البعير. مونتي يردّ على هذه الشتيمة بالشتيمةِ نفسها، على لا أحد، على انعكاسه في المرآةِ رُبما. ثم يسترسلُ انعكاسُ مونتي على الزجاج ويبثّ كراهيته المُخبأة، يبدأها بالمدينةِ وكلّ ما ومن فيها، يشتمُ المشرّد إذ يسأل، وماسحي زجاج السيّارات الأوسخ من أن يُنظّفوا شيئاً؛ برائحة عرقهم النتنة، يشتم الهنودَ والباكستانيين، والكوريين؛ البائعين في مشاتل الورد، يشتم الروس يتسكّعون في المقاهي ويشربون الشاي في كؤوسٍ صغيرة، يشتم السماسرة المحتالين، والبورتريكيين بأعدادهم الكثيرة في سيّارة صغيرةِ الحجم رافعين أعلام بلادهم، والإيطاليين بشعورِهم الدهنية المقرفة، السود الذين لا يمرّرونَ الكرة أبداً، والشرطة والكهنة المتحرشين بالأطفال، وينتهي بأصدقائهِ وحبيبته الخائنة، وأبيه بحزنهِ اللانهائي. يشتم الجميع على حدّ سواء، الغنيّ والفقير، البعيد والقريب، والسُعداء والحزانى. ثمّ يتوقف، ويردّ عليه مونتي. بالشتيمةِ الأبديّة نفسها.”كانت الفرصة بين يديك وضيّعتها”خطابُ مونتي المليء بالكراهية، العنصريّ المقزِّز، أو الحقد الدفين والذي ينتهي به نفسه، كان طريقته في إلقاءِ اللوم على كل الأشياءِ من حوله عداه، كان يفتحُ بوّابةَ الجحيم على كل شيء وينظُرُ من بعيدٍ بحُرقة ومرارة. لاحقاً، مونتي الذي سيميلُ برأسهِ على نافذة السيّارة في آخر مشهدٍ من الفيلم، سينظر إليه طفلٌ في مركبة أخرى وسيكتب اسمه على الزجاج، يبتسم مونتي، ويدوّن اسمه أيضاً ويلوّح. وفي لحظةٍ مثل هذه، يُدرك أنه سيفتقد كل شيء، خاصةً الأشياء التي كان يكرهها.