
من نافذتي المفتوحةِ على العالمِ أرى أسرارَهُ العميقةَ وهواجسَهُ التي تحطُّ بجلالةٍ لا مثيلَ لها على كتفي. أرى بعينيَّ وأتقصَّى بفضولي وأتلصّصُ كما لو من خلالِ كوّةٍ خفيٍّة ومهجورةٍ في الجدار. أرى من يضيعُ في حواراتِهِ الطويلةِ بينه وبين نفسِهِ. أرى من يستلقي معكوساً على سريرِهِ ويبدأ في السباحةِ ضدّ التيّار. أرى من ترقصُ على ساقٍ واحدةٍ وتدورُ، تدورُ كأنها تحفِرُ أرضيةَ الغرفةِ وأرى ينبوعاً يتفجَّرُ وموسيقى تلمَعُ في الهواء. أرى من تسقي نبتةً كأنها تُعيدُ للعالمِ معناه. أرى من يعزِفُ-وحيداً-مقطوعةً أسمعُ قليلَ ما يصلني منها وأتنبّؤ صداها الذي سيظلُّ يحيا معي. أرى وجهَ من يستعيدُ ذكرى خاطئة، ويدَ من يكتُبُ كأنها آخر وصاياه. أرى غريبينِ في فضاءِ المكان وبينهما شظايا. أرى قُبلاً تُطبَع على المرايا والصور، أرى كيفَ بدأت الأشياءُ وكيفَ انتهت. أرى العناقاتِ على البابِ، واللعنات والشتائم خلفه. أرى من يطردُ القلقَ بكتاب، ومن يطردُ كارثةً بنفخةٍ واحدة. أرى العالمَ مفضوحاً وأرى حيواتِ من فيه مصفوفةً أمامي. أرى ما تغيَّرَ وما جدَّ، كأنّي سأبتزّ العالمَ في أقصى حالات وحدتِهِ وعُريه. وأغلقُ النافذةَ، فأعودُ إلى قدميَّ المُعطّلتين وسرّ حياتيَ المجهول، ونبوءاتي وظنوني التي ستصيرُ حطباً تأكلهُ في داخليَ النار.