
كنتُ أقرأ كتابَ “المُعانقات” لغاليانو، بعدَ عدّةِ نصوصٍ مختلفةٍ عن الجُدران، والجوع، والليل والجنس والنسيان وغيرها. لاهثاً خلفَ الأسماءِ صعبة النُطق، لا بدَّ أنّ محرّكَ عقلي قد توقّفَ حينها. عندها فقط دونَ أن أشعرَ رحتُ أغطُّ في نومٍ عميق. حلُمتُ وقتها بأني كنتُ مستلقٍ في مكان دافئٍ ومُعتم، توسلتُ اللا أحدَ، وصرختُ في كلِ اتجاه. لحظاتٌ ولمعَ ضوء خافتٌ يرتجفُ على بُعد أمتارٍ قليلة(على أنَّ صلعتهُ المضحكة والشعر الأبيض الرابض على جانبيّ رأسهِ كان كافياً لملاحظتي إياه)اقتربَ ببطءٍ، وجلسَ إلى جانبي صامتاً، محملقاً فيَّ بلطف. ثمَّ ابتسمَ وكانتِ ابتسامتهُ كما أذكرها. أسنانهُ المتهالكة، والضحكةُ اللطيفة بعدَ كلمةِ(أبناءِ العاهرة)كانَ يحملُ في يدهِ معجماً، وبادلتهُ بدوريَ الابتسامَ بارتباكٍ شديد، بينما راحَ يقلّبُ صفحاتِ الكتاب بعشوائيةٍ تامة. وفي لحظة وضعَ إصبعهُ فوقَ كلمةٍ ما، كانت الكلمةُ هيَ(كابوس)أخرجَ ورقةً من جيبهِ ثم كتبَ اسمي دونَ أن يسألني، وبدأ في سردِ أحداثِ حياتي كما هيَ، تابعتُ بقلقٍ ما كتبَ واستغربتُ أجزاءً قليلة مما كتبَ، ثمَّ ما لبثتُ أن ألِفتها جميعها. كان منهمكاً ومستغرقاً في الكتابةِ، حتى أنهُ لم يلاحظني عندما كنتُ أناديه، كررّتُ اسمهُ كثيراً، وشعرتُ بأنَّ النصَ(الكابوس)هذا لن ينتهي. تجرأتُ قليلاً وهززتُ كتفهُ، وإذ بصيّادِ القصص(يقعُ في فخِّها)ويرتطمُ بالأرض، تزامناً معَ وثبتيَ المباشرة خارجَ حدودِ الحُلم والسرير.