Thingsss

أشياءٌ مثل هذه تحدث. أن تموتَ بطّاريةُ هاتفك بلا إنذارٍ مسبق ولا خللٍ في الروح. فتتخيّلُ غُرفةً مُعتمةَ الأنفاسِ هواءها عطنٌ ورائحتها تُعطّل سيرَ الحياة وسبعةَ أفراد متحلّقينَ حول شاشةٍ ساطعة يبحثونَ خفايا وأسرار حياتكَ التي صلّيتَ أن تموتَ معك كل يوم. يحدثُ أن يقولَ الباتشينو عبارة فظّةً وساخرة فتبتسم طويلاً وتظنّ أنكَ سمعتها على لسان أحدٍ تعرفه، يحدثُ أن يحكي عمك نكتةً بذيئة فتظنّ أنك تكمل فيلماً ما. يحدث أن تكونَ مسافراً في نداءِ النومِ الأخير والمسافةُ اليومَ إلى الحلمِ أقرب منها إلى الكابوس وتثنيكَ رغبةٌ شرِسةٌ في ارتكابِ خطيئة المشي فجراً. يحدثُ أن تمشي في حارةٍ لم تعُد تُداري خطاكَ، تصل إلى البيت، بيتكَ القديم وتحدسُ من سيفتحُ لك الباب. يحدثُ أن تصدح الأغنيةُ وأنت تعدو في رواية فتقع آهةُ المغنّي على تنهيدة الراوي. أشياءٌ مثل هذهِ تحدث، أن تكونَ الأغنيةُ صُدفةَ الراديو وصدفةَ الهواجس. يحدث أن تمرّ أمامَ مرآة غرفتكَ مسرعاً ويخطُرُ في بالكَ أنّ الذي مرّ غيرك. يحدث أن تفكّر بفعل آلافِ الأشياء وأمامَ باب البيتِ تنسى من تكون، كأنَّ البيتَ قد لفظكَ خارجه. يحدثُ مثلاً أن تدخلَ الغرفةَ للمرة العاشرة خلال دقيقتين لتأخذَ المعطف المعلّق على مسمارٍ في الجدار. يحدثُ أن تركنَ سيّارتكَ في مكانها الصحيح بعدٍ مشوارٍ طويل وتضع يديكَ على المقود ثم تسأل باهتمامٍ غريب: كيفَ وصلت إلى هنا؟ وفي عينيكَ وَمْضُ أضواءِ كل الشاحنات التي تجاوزتها في طريقك. يحدث أن يكونَ هناك شخصٌ ما في الزاويةِ الأخرى من العالم يتحدّث إليك عبر الهاتف وفجأةً تودّ لو أنك تصدّق ما يقوله. يحدثُ أن تتوصّلَ بفهمكَ الطفيفِ وحكمتك البالغة إلى أن العبارةَ المكتوبة على صدرِ الـT-shirtهي الشتيمةُ الأشهى والأكثر أدباً من أن يستحقّها العالمُ تماماً. يحدثُ أنَّ ما يُزيل هذا القلق الاعتياديّ عن وجهكَ وأنتَ واقفٌ على مجلى الصحونِ ويثير ابتسامةً تحكمكَ ولستَ تحكمها ليس عطباً في الذكرياتِ ولا زحمةَ نكاتٍ تتدافع بل حكمةٌ خامٍ في شطرٍ لأبي العلاء. يحدثُ أن تكونَ أنت الصُدفة في حياةِ ريشةِ طائرٍ تتهاوى وتتداعى في الهواءِ في لحظةٍ ما في مكانٍ ما بعينه. يحدثُ أن تكون في المقهى لعقدِ صُلحٍ مع الصمت. يحدثُ أن تكونَ ماشياً إلى حتفكَ أو إلى مغربِ المُبالاة ومن لا مكانٍ إلى لا مكان ينفجرُ عطرٌ في الجوّ وتؤخركَ النشوةُ عن الاعترافِ بسوءِ اليوم. يحدثُ أن تتبدّى لك الأسرارُ فيما أنت تفتّشُ عن مكانٍ مناسب لاستقبالِ تفصيلةٍ أخرى ستدفنها. يحدثُ أن تُحرّرَ اسماً بنطقهِ ولستَ تدري أكانَ اسمَ عابرٍ وغاب، أم أنه ضرورةٌ أخرى من ضروراتِ الاختلاق. يحدثُ أن تنبثقَ أسئلةٌ وجوديّة خلال انتظار إشارة مرور. يحدثُ أن تستيقظَ في حالةٍ من الطفو ويداكَ تبحثانِ عن بنتِ الخيالات الأولى، بنت الرؤى الأولى، ترسمُ بعينيكَ وجهها وتُصغي بروحكَ إلى صوتها، تتذكّرُ أن لها اسماً.. وأنتَ تبحث على يوتيوب عن أغنية كانت تبدأ بسؤالٍ كهذا: هل يا ترى في باله أنا؟

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ