
ثمّة خطأ ضروري في المكان، خطأ مُزعج ومُربك. في مجلس بيتنا القديم، والذي هو ليسَ بيتنا تماماً. كانت هناك أريكتان بنّيتا اللون، إحداهما أعرض من الأخرى، وللأخيرة ثلاثُ وسائد صغيرة والأصغر حجماً وسادتان فقط. كم تبدو هذه التفصيلة تافهة، لولا أنها لم تنتهِ بعد. فالوسُدُ كان لها الشكل واللون ذاته عدا واحدةٍ اختلفت في طريقة الزخرفة وتشابهت في اللون الداكن. كلما جلستُ وأجلتُ بصري في المكان انتبهت سريعاً لهذا الخلل الأبدي. قليلاً ما وجدتهنّ في مكانهنّ الصحيح، وكثيراً ما حاولت أن أتجاهل العلّة التي أراها وحدي في جسد المجلس وما استطعت، حتى في المرّات التي أجبرتُ نفسي لرؤيةِ النتائج كان الهاجسُ ضيفي آخر الليل. دوما ما وجدتْ الأشياءُ هذه، التفاصيلُ هذه طريقها إليّ عندما أتقلّبُ في مساحتي الخاصة باعثةً فيَّ شيئاً من تأنيب الضمير. قد لا أكون الشخص المناسب لهذا الاستدعاء الغريب من الأشياء/التفاصيل. قد لا أكون دقيقاً جداً أو نبيلاً جداً ليأتمنني الهامشُ على حقوقه. في النهايةِ لا أعتبرُ نفسي شخصاً(تفصيلياً)إذا كانت هي الكلمة الصحيحة، فكثيراً ما ضيّعتُ شيئاً صغيراً توهّج في عيني أو ثار في مسمعي، وكثيراً ما نسيتُ أشياءَ حرصتُ على نقشها في البال. لكني في المقابل ولحكمةٍ ما(أو لا)تطرأ في ذهني عباراتٌ بطول ذيل، وتبزغ وجوهٌ لستُ أدري لأقاربَ من الطفولةِ هيَ أو لمسافرينَ في لوحة، وأتذكرُ صنبوراً تركتهُ مفتوحاً قبل سنةٍ من الآن، وأتذكّر أني بحثتُ عن ذي الرمّة لا لأن بيتاً له شغفني وشغفته وليسَ لاسمه النَغَمي وليس لأنه قال”فلا ضيرَ أن تستعبرَ العين إنني-على ذاك إلا جولةَ الدمعِ صابرُ” ولكن لأني شاهدتُ لقاءً مرّة للطيّب صالح وذكرَ أنهُ(ذو الرمّة)-شاعرٌ رائعٌ وعبقريّ-وهذا ما أذكره فقط من اللقاءِ كاملاً. في ذاكَ البيت ولمدّة خمس سنوات عرفت الأشياءُ وحفرت طريقها نحوي، كانت أشياء هامشية وضئيلة جداً لكنها مُربكة وتشعلُ فيّ وساوسَ لا تنتهي، تلك الأشياءُ التي أُهمِلَتْ لأنّ الآخرين ظنّوا أنها لم تُهمل. أشياءٌ كانت تستدعي لمسة، وترتجي مجهوداً لا يُذكر. الكأسُ الزجاجية على طرفِ طاولة المطبخ كانت أكبر كوابيسي، الضوء الذي يرمشُ بإهمال وتُركَ على حالهِ لأنه يتطّلب مدّ ذراع كائنٍ سخيفِ الطول مثلي. هذه التفاصيل تُرعبني وتهيّج خيالي بصورةٍ مُرعبة. علاقتي بتلك الأشياء غير المهمة توثّقت، وصرت أتوقع مسبقاً ردات فعلي. كنت مخصوصاً، وللحقّ كنتُ أظنّها هبةٌ وعناية، لأي سبب! من يدري! أشياء كثيرة لم تُرجعني للخلف وهذه التفاصيل الصغيرة فعلتْ بكل سرور وأدنى مجهود. إذا ما تجاهلتُ خللاً سرّياً في المكانِ ظلّ شيطانُه في رأسي يهذي، وإذا ما غادرتُ المكانَ لحاجةٍ ما تبعني سؤال يبدأ بماذا لو، وينتهي بأقسى الاحتمالاتِ وأسوئها. عندما انتقلنا إلى البيت الجديد وتخلصتُّ من الأريكة ووسائدها التي تظهر في أحلامي ظننتُ أني حرّ. تمنيتُ أن لا أعيرَ كل شيءٍ وتفصيلة هامشية وغير مهمة انتباهاً. وظننتُ أني سأفعل. وصلتُ الشقة الجديدة، وأدرتُ أُكرةَ الباب، فعلقَ لسان قُفل الباب في الداخل. اللسان الذي بعد أسبوع عرفتُ أنه في كلّ عشر محاولاتٍ لإدارة المقبض سيعلقُ مرّتان أو ثلاث. وسيحتاجُ إلى لمسةٍ حانية ومجهود أرقّ وبباطن الكفّ إلى الأسفل قليلاً، وها أنت ذا. نوّرت البيت. وزارتنا البركة.