قصةُ الرجلِ الذي عادَ من الموت.

عادَ رجلٌ من الموت، مذ فتحَ عينيه رأى كل من تاقت نفسه لرؤيته وتعذّر عليه أو عنه، رأى خيالاتِ الأحلام حقيقة ورأى زوي دويتش واقفة عندَ قدميه تطمئنُ على حالهِ، رأى طوابيرَ من المُبشّرين والصحفيين الشعراء والرسّامين الصابرينَ على الأذى ومَن همَّ ولم يقُل ومن يأسَ ورضخ. نادى على أبنائه وزوجتهِ فسألوه أينَ كنت؟ فقال: حيث وضعتموني. بكوا وبكى. صمتَ فصمتوا. وغابوا عن عيونهِ، وخرج بعدها بأيّام من المشفى. كتبتْ عنه مئاتُ الصُحف، درسَ دكاترة نفسيّون حالته، رسمَ هواةٌ وجهه المُضيء على جُدران المدينة. لم يسترِح الرجلُ رغم سروره الشفيف باسمهِ الذي لم ينطقهُ أحد منذ عشرين عاماً والآن صار أنشودة حيّة. علقَ في زمنٍ مفقود وما انفكّ الناسُ يتتبّعونه أينما ذهب، أوّلوا كل كتاباتهِ وقرأوا ما بين السطور، فكّوا شفراتِ لغات جسده ووضع جيرانُه كاميراتٍ ثمينة أمام بيوتهم لتلتقط تحرّكاتهِ الغريبة. وصلته هدايا كثيرة باسمٍ وبلا اسم، تُرِكت هكذا أمام بيته؛ وبعضها برسائل غريبة”إذا أحببتَ أن نتحدّث. هذا رقمي”لكن الرجلَ ظلّ صامتاً. مرّت الأيام ولم يعد بحاجةٍ لعمل، فكل شيء متوفر وبلا عناء. لم يتحدّث مع أحد أكثر من كلمتين، كان غريباً عليه كلُّ هذا الاهتمام، لم يجِد شاعريّة في وجهِ زوجتهِ المُصغي كما لو لموسيقى، لم يجد اسماً ليدها المنسابةِ بخدرٍ تحت ذقنها سوى الزيف. كرهها وسأمتْ منه. طفحَ بيتهُ بأصدقاءِ أبنائهِ الجُدد، ولم يجد عناقاً أوسع من النوم. راحةٌ قريبة من راحتهِ الأبديّة التي خاضها كما يدّعون. أصرّت عليه زوجته بأن يقول، أن يحكي وألا يموتَ مع سرّه الرهيب، لم يفهمها. لم يُطِق نظرات أحد، كان كائناً غريباً يحظى بعنايةٍ إلهية وهبة المعرفة. لم تتوقف الرسائل يوماً ولا المقالات ولا اللوحات ولا القصائد؛ قصائد معجباتٍ سريّات وأخرى لشعراءَ فلكيين على الأرض.تُيَّمَ غريبٌ بامرأتهِ وعشقته، نامَ معها واستنطقَ أسرارها، حثّها أكثر، راوغ أكثر وأرادَ أن يحلّ اللغز الذي استعصى. أراد أن يرى ما ليسَ له، أخبرته أنها لا تعرف. أصرّ كثيراً ولم يعرف، ولم تره ثانيةً. كتبَ عنها ونشر تفصيلات جسدها، عظّم نفسهُ وبجّلها، ادّعى أنه شاركَ الرجل الأسطورة كل حياتهِ إلا قليلا. استيقظَ الرجُل بملَكَتهِ الفائقة ونظرَ حوله فلم يرَ شيئاً، خسر كل ما ظنّ أنه خسره ذات يوم. لم يفهم أحدٌ معاناته، الرجل الذي أراد أن يقول، لكن لم يكن لديهِ ما يقول. فهو لم يعد من أي مكان، لكن كما تعرفونَ خُدعةَ الساحرِ الذي زيّفَ موت محبوبتهِ ليهرب بها بعيداً، غابَ عن الوعي يوماً واستعجلَ الناسُ في دفنه. لا شيء آخر. لم يرَ شيئاً ولم يضطرّ لقول شيء.

نُشر بواسطة بَس*

أحياناً

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ